الأكيد أن إصرار بعض القوى السياسية، على مناقشة قانون السلطة القضائية فى مجلس الشورى، سيتسبب فى أزمة كبرى على جميع الأصعدة، بدءا من إحراج مؤسسة الرئاسة، مرورا بتصعيد الخلاف بين التيارات السياسية المختلفة وتعميق الهوة مع سلطة من سلطات البلاد المعنية بالعدالة، وليس انتهاء بمزيد من فقدان الثقة فى السلطة التشريعية التى بدا للمواطن أنها لا تعمل من أجله، وأن لديها أجندة مغايرة لأولوياته وطلباته، والأكيد أيضا، أن السلطة التنفيذية تخسر مجانا من هذا العراك الذى يجر البلاد إلى ساحات عدم توافق ومساحات اختلاف لا ضرورة لها الآن، وبالتالى لا تستطيع هذه السلطة التنفيذية القيام بمهامها والوصول الى قرارات تحظى بإجماع هى فى أمس الحاجة إليه.
وتتجلى الأزمة بشكل أوضح فى الدوافع المحركة للقوى التى تصر على مناقشة القانون، فهى أولا تتحدث عن ضرورة الفصل بين السلطات، باعتبارها سلطة تشريعية، لا ترغب فى تدخل السلطتين التنفيذية والقضائية فى أعمالها، كما أنهم يتحدثون عن أن المعارضين لمناقشة القانون لا يصدقون حالة الديمقراطية التى نعيشها وأنهم لن يسمحوا للرئيس بالتدخل فى عملهم، وأن الجميع مطالب باحترام الدستور، الذى منحهم هذا الحق وأكد على الفصل بين السلطات، وهو كلام مرتب ودوافع وجيهة، لولا السياق السياسى الذى صاحب اقتراح هذا القانون بتظاهرات «الشعب يريد تطهير القضاء»، وثانيا، والأهم عدم احترام المجلس ذاته للدستور، الذى ــ على سبيل المثال ــ لم يمنحه حق مناقشة الموازنة العامة للدولة، ويقوم الآن بمناقشتها، بطريقة فجة، لا تليق بالمجلس، ولا تتناسب مع المرحلة التى تعيشها مصر الآن.
إن المشرع خص مناقشة الميزانية، بتشريعات خاصة، لأهميتها للمواطن، وتكاد تكون فى مقدمة مهام مجلس النواب المنتخب، بل وأهم أدواره على الإطلاق، وهى لا تندرج بأى حال من الأحوال تحت سلطة التشريع التى يتمتع بها مجلس الشورى الآن، بل إن المشرع قال صراحة فى حال غياب البرلمان يتم العمل بموازنة آخر عام تم اعتمادها من مجلس النواب، فعندما يناقش الشورى الموازنة فهو يتعدى على صلاحيات ليست له، ويضرب فكرة احترام الدستور فى مقتل.
إن مناقشة الموازنة العامة للدولة، فى مجلس الشورى، يكشف عن عوار كل حوار يدور حول الديمقراطية واحترام الدستور والقوانين، لأن ما نراه صباح مساء لا علاقة له بذلك، ولا يتبقى أمامنا سوى أن نصدق أن هناك دوافع خاصة وراء استعجال مناقشة تعديلات قانون السلطة القضائية، ليس من بينها المصلحة العامة، وهذا هو المحزن فى هذه الأزمة المحزنة.