نصر سليمان محمد يكتب: رأيت فيما يرى النائم - منبر الشروق - بوابة الشروق
السبت 20 يونيو 2026 8:59 م القاهرة

نصر سليمان محمد يكتب: رأيت فيما يرى النائم

نشر فى : الإثنين 14 يناير 2013 - 10:20 م | آخر تحديث : الإثنين 14 يناير 2013 - 10:20 م
نصر سليمان محمد
نصر سليمان محمد

ريحا عاصفا يضرب بلادي, زاد كربي, مزق فؤادي, جثم بثقله على صدري, فصرت مهموما ببلدي, أمي هي كنت أظنها من تحمل همي, أثقل الحزن جفوني وغفوة أصابتني فاستسلمت لها بعدما جفاني نومي, وحلقت بخيالي عن واقع حياتى, ورأيت فيما يرى النائم, حلما ظل يراودني وأماني تملأ صدري, حلمت بمصر كما تمنيناها وأردناها وعشنا خيالا واسعا أوصلنا للكمال وذروة الآمال, حياة آمنة وعيشة رغدة, أمة في طليعة الأمم, حرية بلا سقف, عدالة بلا فقر, رغد في العيش. حلم الإنسان المصري.. عزة, كرامة, إباء, رأس مرفوعة, كبرياء.

 

أليس من حق هذا الشعب الذي قهر على مدار تاريخه أن يتنفس الحرية؟ يتذوق طعم الديمقراطية؟ يتحرر من نير العبودية؟ يطلق العنان لفكرة دون رقيب أو وصية؟ أن يعلو بنظرة من بين قدمية ليرتفع لعنان السماء ويصل بسقف أحلامه إلى ما لا نهاية؟

ألا يستحق هذا الشعب الذي ظلم طويلا وعاش على الكفاف يتسول قوت يومة وينعى حريته, ويصيبه الدوار وهو يتطلع لشعوب حوله كانت بالأمس القريب خرابا وتخلفا وقد صارت تسابق الريح إنجازا وتقدما, وهو المصري العريق صاحب أقدم الحضارات والمنارات وقد جار عليه الزمان وأصبح في طي النسيان تتلاعب به الأمم تشد وترخي لجامه وهو مطأطأ الرأس ذليلا مستسلما, أورده حكامه التهلكة، وأزاحه فراعينه إلى ذيل الأمم ليعيش في ذل بعد عزة، وجوع بعد شبع, وقيد بعد حرية، وتخلف بعد استنارة, وكمم فاهه, وغيب عقله، وخيم الظلام على حاضره، وقد كان ماضيه يشع ضياء لكل شعوب العالم.

 

ألا يحق لخير شعوب الأرض أن تعلو وترقى بواقعها لتصل لحلم عشناه وحلمنا به؟ أليس هذا ما انتفضنا لأجله لنرفع عن كاهلنا ظلم سنين وظلام خيم على عقولنا وقلوبنا حتى ظننا أن ضوء الفجر لن يلوح، فقمنا بثورة أضاءت سمائنا وسطعت شمسنا, أطلقت طاقتنا وحررت أرواحنا، وفتحت عقولنا ونبضت قلوبنا, فقد اقترب حلمنا وزالت آلامنا ورأينا آمالنا تتحقق.

ألا نستحق أن نعيش ونحيا ونسابق الريح بحصان أبيض نطلق له العنان في حلبة السباق لنعوض ما فاتنا ونصل لغايتنا وهدفنا؟ أمة في طليعة الأمم كسابق عهدنا.

 

أفقت من غفوتي ليتبدل حلمي وكابوس جاثم على صدري, ثورتنا سقطت, أخرجتنا من حفرة كنا نرى منها بصيص ضياء وألقت بنا في بئر للظلمات لا ضوء فيه ولا حياة, جنح الحصان عن المسار وشطح بعيدا عن السباق, حصان أهوج أسقط فارسه وأخذ يترنح يمينا ويسارا, ضل الطريق وفقد الرفيق وضاع الهدف.

 

هذه ثورتنا, واقعنا شعب منقسم، بلد جريح, وطن مزقه أبناؤه بأطماعهم ومصالحهم فغرسوا في لحمه أنيابهم حتى سالت دماؤه, واستأسدوا على بعضهم, وتقاتلوا وتنابذوا وخونوا وتقاسموا الغنيمة, قويهم تفرعن, وضعيفهم تخندق, وتربص بعضهم ببعض, وطن استنزف خيره واستبيح عرضه، وأصبح ملتقى الأعداء وموطن الخلافات.

 

ثورة انقلب عليها ثوارها, وشعب تائه يبحث عن الحقيقة, عن الحلم, عن الأمل المفقود, سراب هو الطريق يأس يدب في القلوب, ظلام في الأفق يلوح, فقراء زاد فقرهم, ضعفاء زاد ضعفهم, قيدت الحريات وكممت الأفواه, غيبت العقول وأظلمت القلوب.

 

وطن بلا هيبة, غاب قانونه, وضاع أمنه وأمانه, اقتصاد ينهار, وعمله تتلاشى ودولار فاتح فاه يبتلع ما عداه, وجنيه يلفظ أنفاسه, وأمم ناظرة ضاحكة شامتة من شعب أراد يوما الحياة ولم يستجب القدر.

 

تغلبت المصالح, وطغت الأطماع, بين تيار ديني مكتسح أخذته السعرة والسكرة لاكتساب الغنائم واغتنام الفرص وابتلاع الدولة, وأحزاب أخرى متفرقة متشرذمة فرققتهم أطماعهم وأخذتهم العزة بالإثم, جميعهم يريد الانفراد بالسلطة لتطيح بهم أحلامهم - وتجمعهم جبهة معارضة مشوشة الرؤى مكتوفة الأيدي ربانها مائة ربان, سفينتهم بحاجة لإنقاذ سميت جبهة الإنقاذ, وضاع الوطن, وتاه المصري البسيط بين شعارات دينية وأفكار دنيوية، بين تكفير وتخوين, وأشقاء أصبحوا فرقاء، جمعتهم أرض واحدة أكلوا من خيرها وشربوا من نيلها, أعماهم الهوى وركبهم العند والكبر، وسفينة تغرق بأيدي ربانها.

 

أغمضت عيني كي لا أفيق من غفوتي وأعيش حلما تمنيته وكدت أدركه, فأبى حزني وأطار النوم من عيني وأرق جفوني, وكابوس الواقع جاثم على صدري, وكبوة حصان أبيض يجنح وفارس بلا جواد يترنح.

 

شارك بتعليقك