معتقلون تحت السن - بوابة الشروق
الأربعاء 20 مايو 2026 12:58 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

معتقلون تحت السن

تصوير : محمود العراقي
تصوير : محمود العراقي
دينا درويش
نشر في: الأربعاء 6 مارس 2013 - 9:25 ص | آخر تحديث: الأربعاء 6 مارس 2013 - 9:25 ص

عندما رجع عمرو إلى بيت أسرته عقب إطلاق سراحه من محبسه بمعسكر السلام للأمن المركزى، لم تعد قسمات وجهه تلائم سنوات عمره الخمس عشرة. «لقد صار ابنى رجلا قبل الأوان».. هكذا تمضى هالة والدته، ربة منزل، أم لطفلين وزوجة لأحد الأطباء. ربما كانت الثمانى والأربعون ساعة التى قضتها أسرته وزملاؤه فى المدرسة الدولية التى يدرس بها بمثابة لحظة فارقة بين الحياة والموت، إذ تنقلوا من معسكر دار السلام إلى قسم الدرب الأحمر لاقتفاء أثره. تم القبض عليه فى الجمعة الأخيرة من نوفمبر الماضى فى شارع قصر العينى لأنه أراد أن يمد يد العون للمصابين. انطلقت قنابل مسيلة للدموع، وتماسك عمرو الذى يعانى من نوبات الربو ليجد نفسه تحت ركلات 7 أفراد من الأمن المركزى تسللت يد أحدهم إلى جيبه كى يصادر هاتفه ومحفظته. «كان زعيقهم هو آخر ما سمعته قبل أن أغيب عن الوعى حتى حملونى فى البوكس». هكذا يمضى عمرو الذى اضطرت والدته أن تصحبه فيما بعد إلى عيادة الطبيب النفسى لتمحو من ذاكرته قسوة التجربة، وتصف ذلك: «اليوم الوحيد الذى رأيت فيه ابنى يبكى هو ذلك اليوم». هذا الشعور بالحزن والغضب قد يدفعه إلى أن يعاود النزول للميدان كى يحصل على حقه، لكن أسرته أخذت عليه يمينا مغلظا كى لا يفعل ذلك، ولجأت إلى رفع دعوى قضائية ضد الضباط والعساكر الذى قاموا بالاعتداء البدنى عليه.

 

تلك الحالة هى مجرد رقم فى قائمة من أطفال تعرضوا لنفس التجربة القاسية، وتشير أرقام المركز المصرى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى أن هناك 134 طفلا تم احتجازهم خلال الأشهر الستة الماضية، كما تؤكد أرقام المنظمة المصرية لحقوق الطفل أنه كان هناك 114 متظاهرا دون السن القانونية اعتقلوا فى الأسابيع الماضية من إجمالى 350 تم القبض عليهم، لم يتعد عمر 22 منهم 15 عاما فى حين أن هناك 9 معتقلين دون الرابعة عشر بينما يوجد ثمانية أطفال دون ال13 عاما وأثنين فقط لم يتعدوا 12 عاما وحالة طفل واحد لا يزيد عمره عن 11 عاما.

 

تقول الدكتورة غادة الشهبندر، عضو مجلس إدارة المنظمة المصرية لحقوق الإنسان أحد المسئولين عن ملف اعتقال الأطفال: «لاحظت منذ الأحداث الأخيرة فى شارع يوسف الجندى وميدان سيمون بوليفار أن نسبة كبيرة ممن يتم اعتقالهم هم من الأطفال، يبدو أن هناك ميلا لدى البوليس لملء البوكس بأى كيفية، لذا فإن الأبطأ والأصغر والأضعف عادة ما يسقط فى قبضة الشرطة».

 

أما قائمة الاتهامات التى تصاغ لهؤلاء الصغار فهى جاهزة طبقا لنفس المصدر الحقوقى، لكن المفارقة فى حجم هذه التهم مقارنة بحجم هؤلاء الصبية. «هناك ست تهم جاهزة عادة ما تلصق بهؤلاء المقبوض عليهم، وهى فى الواقع جرائم مثيرة للضحك.. فعندما كنت أحضر تحقيقات النيابة مع طفلى الإسكندرية محمد وعبدالرحمن كنت أتعجب من توجيه اتهام إلى طفل يرتعد من وطأة البرد، مفترضين أن هذا الكائن الصغير يمثل تهديدا لأمن الإسكندرية أو لسلامة الضباط أو المجندين». حسبما تصف الدكتورة غادة الشهبندر.

 

وإذا كان التحرش بالنساء وسحل الرجال هما أحدث أدوات للقمع الثورى فى الشارع المصرى، فإن هذا القمع يبدو وقد بلغ ذروته مع مشهد جديد لاعتقال الأطفال من التحرير ومحيط مديرية أمن الإسكندرية مرورا بشارع الأربعين بالسويس ووصولا بمحيط قصر الاتحادية. هذا المشهد يخالف اتفاقيات حقوق الإنسان التى صادقت عليها مصر، على الرغم مما ردده أعضاء فى مجلس الشورى عن أن هؤلاء الاطفال فى حاجة إلى «تربية»، إذ تحظر المادة 119 من قانون الطفل لسنة 96 حبس الطفل أقل من 15 سنة احتياطيا ويوضع فى دار رعاية أو يسلم لوالديه. «فالقانون الدولى الجنائى لا يستخدم أبدا لفظ مجرم مع الطفل ولكن يفضل استخدام كلمة جانح، كما أن ما تم من احتجاز الأطفال على هذا النحو فى معسكرات الأمن المركزى يعد شكلا من أشكال التعذيب وانتهاكا صارخا لكل اتفاقيات حقوق الإنسان وكذلك العهد الدولى للحقوق السياسية والمدنية « هكذا يمضى الحقوقى حافظ ابو سعدة، رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان.

 

ويثير تواجد الأطفال فى قلب الحدث جدلا بين المهتمين بتلك القضية، إذ يقول ناشط حقوقى رفض ذكر اسمه، نحن بصدد دراسة فى المركز الذى أعمل فيه لإصدار بيان يمنع الأسر من الزج بأطفالها فى وطيس التظاهرات حتى لا يتعرضوا للمخاطر من ناحية أخرى، وحتى لا يعرقلوا حركة الأكبر سنا فى الكر والفر مما يجعلهم أكثر عرضة للوقوع فى قبضة الشرطة. يتفق ذلك مع البيان الصادر مؤخرا من منظمة اليونيسيف. فعلى الصفحة الخاصة بها على موقع التواصل الاجتماعى، أعرب فيليب دوامال، ممثل منظمة يونيسف عن بالغ القلق إزاء تأثير أحداث العنف الأخيرة على الأطفال، قائلا: « الأطفال لا ينبغى ان يكونوا ضحية للعنف ولا أن يشهدوه ويجب أن تكفل حقوقهم تحت أى ظروف، وفى حال القبض عليهم يجب حمايتهم بما ينص عليه قانون الطفل المصرى». ومع ازدياد عدد الانتهاكات الموجهة ناحية الأطفال فى أثناء المظاهرات، يعكف هانى هلال، رئيس الائتلاف المصرى لحقوق الطفل على توصيف دقيق لملف اعتقال الأطفال بغية مقاضاة وزارة الداخلية المصرية على الصعيد الدولى.

 

من ناحية أخرى، يبدو للمشهد بعد آخر، إذ يقول اللواء هانى عبداللطيف المتحدث الرسمى لوزارة الداخلية، أن هناك فئات من صغار السن بصفة خصوصا من أطفال الشوارع قد تستغل فى أعمال التخريب. «مشكلة هؤلاء هى مشكلة مجتمعية وليست أمنية فقط، لكن الظرف الحالى يفرض على الشرطة أن تكون بمفردها لتواجه كل معطيات الشارع». يصمت المتحدث الرسمى لوزارة الداخلية، ثم يعلق قائلا:» بدأنا مؤخرا فى انتهاج سياسة الشفافية، ولم ننف فى حملة الاعتقالات الأخيرة وجود أطفال سيخضع من هم أقل من 15 سنة لقانون الطفل بينما من تتراوح أعمالهم بين 15 و18 سنة سيتم إيداعهم فى مؤسسات رعايا لحين استكمال التحقيقات، فالقانون هو الفيصل بيننا وبين المنظمات الحقوقية».

 

كان مقتل محمد جابر «جيكا» وتحوله إلى رمز ثورى على الرغم من سنوات عمره الست عشرة، نموذجا لهذا التيار الثورى الصغير، على حد تعبير طارق الخولى المتحدث الرسمى لحركة 6 أبريل التى نظمت مسيرات لأعلام تحمل صورة جيكا فى عدة فاعليات. ويضيف قائلا: « هناك حد أدنى لعمر الناشط الحركى للانضمام إلى 6 ابريل، فنحن لا نقبل أعضاء أقل عمرا من 16 عاما لأن العضو لا بد أن يكون فى عمر يكون فيه قادرا على التمييز ولديه رؤية سياسية واضحة». لا ينكر المنخرطون فى العمل الحركى ما اتفق معه طارق الخولى حول «الدور البطولى الذى لعبه بعض الأطفال فى أحداث مثل موقعة الجمل». لكنه لا يكتفى بذلك بل يقول: «أطفال الشوارع الذى يدعى الأمن بأنهم دخلاء على الثورة لديهم مطالب حقوقية، ومشاركتهم فى الثورة نابعة عن تهميش مجتمعى حقيقى، وأعتقد أن نسبة المأجورين منهم فى ميلشيات البلطجية التى استخدمها النظام ضئيلة جدا، فهؤلاء الأطفال مؤمنون بالثورة».

 

لكن يبدو أن لهؤلاء الصغار ثورتهم الخاصة، فهم يرفضون على الرغم من صخب وشجار الكبار ألا يكونوا جزءا من المشهد الكبير. «من حقى أحلم بعيشة أفضل، مثل بقية المتظاهرين « هكذا يمضى عبدالرحمن، 14 سنة الذى أعتقل 21 يوم فى مديرية امن الإسكندرية عندما كان عائدا من عمله مع أحد المقاولين، فقد هرب من المدرسة عن عمر 10 سنوات ليعمل ثلاثة مرات فى الأسبوع كى يساعد أسرته المكونة من تسعة أفراد على إيجاد قوت يومها. تروى أمه «على الرغم من قسوة الظروف المعيشية فقد خرج ابنى من الحبس مكسور الجناح وبدأ يشعر باليأس الحقيقى من إمكانية تغير الحال بعد الثورة».

 

تعود غادة الشهبندر لتظهر الإيمان بانتفاضة هؤلاء الصغار وتقول «لو كان محمد الطفل المصاب بالسرطان قد وجد علاجا جيدا فى المستشفى لما هرب من العلاج، لو أن عبدالرحمن وجد مدرسة تحتضنه ولا تضطره للهروب من التعليم لما شعر برغبته فى الثورة ضد كل الظروف المجتمعية». تصمت ثم تستطرد قائلة إن مشهد يتكرر فى قضايا المصابين أو المعتقلين من الأطفال، حيث أب هجر أسرته ولا يظهر إلا عندما يكون هناك نقود ستقبض أو ظهور إعلامى ما، ثورة هؤلاء هى صرخة فى وجه كل اشكال السلطة بدءا من السلطة الأبوية.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك