تميز عصر الملك نجم الدين أيوب، حفيد صلاح الدين الأيوبى، بكثرة شراء المماليك وتدريبهم على الحياة العسكرية، ثم تحولهم لأمراء وقادة، وهم من أنشأ بعدها الدولة المملوكية.
لاحظ الشيخ العز بن عبدالسلام ما يحدث بعد توليه القضاء فى مصر، فقد وجد زيادة لنفوذ هؤلاء الأمراء المماليك فى البلاد وتعاليهم على الشعب، وقيامهم وهم مملوكون لغيرهم، بالبيع والشراء وقبض الأثمان والتزوّج من الحرائر.
أفتى الشيخ أنه لا يصح لهم بيع ولا شراء ولا زواج ولا طلاق ولا معاملة، حتى يباعوا ويحصل عتقهم ممن اشتراهم بطريق شرعى، وأصر على ألا يمضى لهم بيعا أو شراء، أو يَصَحِّحَ لهم نِكاحا، وأبطل تصرفاتهم؛ لأن المملوك لا ينفُذُ تصرُّفُه شرعا؛ فتعطّلت مصالحهم بذلك.
غضب أمراء المماليك وقالوا: كيف يبيعنا هذا الشيخ ونحن ملوك الأرض؟ ثم شكوه إلى الملك الصالح نجم الدين. قال الملك إن هذا الأمر ليس من اختصاص الشيخ، وأنكر عليه دخوله فيه، وأرسل له طالبا تغيير الفتوى، فرد عليه الشيخ بأن عليه ألا يتدخل فى القضاء، إذ هو ليس من شأن السلطان.
غضب نائب السلطان وهو من المماليك، وذهب لمنزل الشيخ ناويا قتله، فخرج ولد الشيخ ففزع وخاف من نائب السلطنة، وعاد إلى أبيه ناصحا بألا يتعرض للأمراء خشية بطشهم، فلم يخف العز وقال له: يا ولدى أبوك أقل من أن يُقتل فى سبيل الله، ثم خرج فى شجاعة منقطعة النظير، وفتح لنائب السلطنة، الذى ما إن رأى الشيخ حتى سقط السيف من يده، وارتعش وبكى، وسأل الشيخ أن يدعو له.
غضب الشيخ من الملك نجم الدين أيوب، وعزل نفسه عن القضاء، وقرر العودة إلى الشام، وقال: «ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها»، وبمجرد خروجه مع عائلته لحقهم غالب أهل القاهرة، لاسيما العلماء والصُّلحاء والتجار، وجاء من همس فى أذن السلطان: متى ذهب الشيخ ذهب مُلكُك. فخرج الملك بنفسه مسرعا، ولحق بالشيخ وأدركه فى الطريق واسترضاه وطيَّب قلبه، ووعده أن ينفّذ حكم الله فى المماليك كما أفتى، فوافق الشيخ ورجع، واتقفوا معه أن ينادى على الأمراء بالبيع، فنادى على الأمراء واحدا واحدا وغالى فى ثمنهم، ولم يبعهم إلا بالثمن الوافى، وقبض ما بيعوا به بيده، وردَّت أثمانهم إلى بيت مال المسلمين، وأمر بصرفه فى وجوه الخير، وفى مصالح المسلمين.