يقول الداعون لرفض مسودة الدستور التي بدأ التصويت عليها امس في عشرة من اصل 27 محافظة مصرية ان ما اتت به هذه المسودة لا يؤسس لاحقاق حق طال انتظاره حيث اتت المسودة خالية من التزام الدولة بالسعي لكشف جرم قتلة الشهداء الذين سقطوا ومازلوا واعمال العدالة في امرهم، وهكذا ايضا تحدث رافضوا الاعلان الدستوري المثير للجدل المعلن عنه من رئاسة الجمهورية في 22 نوفمبر والاعلان الناسخ له والصادر في الثامن من ديسمبر من انهما عجزا عن الالتزام بتحقيق العدالة لمن قتل ومن اصيب ومن اعجزه الاعتداء فيما اتصل بثورة الخامس والعشرين من يناير، فحديث تقصي الحقائق واهم وحديث العدالة الانتقالية منفي، كما يذكرون
ومن خالد سعيد ، ايقونة ثورة يناير إلي الحسيني ابو ضيف شهيد احداث الاتحادية المنذرة بتناحر مجتمعي غير مسبوق سقط الكثير من الشهداء، بعضهم معلوم واخرون مازلوا ربما في عداد المفقودين. ومن بين الشهداء الذين تبقي اسمائهم جميعا ملهمة للسعي نحو الحق ولو كانت الحياة في ذلك سبيلا يبقي اسمي مينا دانيال، الشاب القبطي شهيد مذبحة ماسبيرو في التاسع من اكتوبر 2011 واسم الشيخ الجليل عماد عفت شهيد مذبحة مجلس الوزراء في السادس عشر من ديسمبر للعام نفسه، اسمين تلتف حولهما كثير من الافئدة متخطية حواجز الدين والانتماء السياسي والعمري، فما بين مينا دانيال القبطي العشريني الذي يقول من يراه انه ربما وجه ثان ليسوع المسيح والخمسيني عماد عفت ،امين الافتاء بالأزهر الشريف ،الذي لا تفض الكلمات في وصف سماحته وروحانية ايمانه وتقواه الحق الكثير من الفروق ولكن ما جمعهما في التحرير كان الرغبة في تحرر الوطن الذي من اجله قضيا شهيدين، والذي من اجله مازلت صورتيهما معا مرفوعة علي اعلام خفاقة ليس فقط مع حلول ذكريات اليمة لماسبيرو ومجلس الوزراء وما بينهما محمد محمود، ولكن دوما ومع كل مسيرة تنادي بما تناديا به من رفض للظلم وقول للحق
الشروق تلتقي السيدة نشوي عبد التواب التي كان الشهيد عماد عفت لها زوجا ومعلما وصديقا حبيبا والسيدة ماري دانيال التي كان الشهيد مينا دانيال لها ابنا قبل ان يكون اخا ومخلصا من السقوط في براثن التخندق الطائفي قبل هذا وذاك
عماد عفت – ولقول الحق ابقي من كل قول
متشحة بالسواد وفي قلبا اسي لا يجادل بأسه سوي ابتسامات ابراهيم عماد عفت الذي فقد والده وهو دون عامه الاول. نشوي عبد التواب، الزميلة الصحفية الاربعينية، التي وقفت علي قبر الشهيد الراحل تقول لمن اتوا للمواساة يوم دفنه، وكانوا الافا اهتز قبل الازهر لصيحات المهم وغضبهم، "أنا راضية... هو كان عايز يكون شهيد... هيوحشني جدا لكن انا راضية... الحمدالله ... الحمدالله".
بعد عام من يوم غياب القتل الغادر عماد عفت تبقي زوجته راضية بما اراد الله لها ولابنها ولكن ابدا غير راضية بما ارادت الدولة واجهزتها الامنية ومؤسساتها السيادية لحقيقة من وما الذي قتل عماد عفت في السادس عشر من ديسمبر الماضي وهو مشارك لمواطنين مصريين تظاهروا امام مقر مجلس الوزراء لرفض سقوط الوطن في براثن طاغوت اراد ان يكون خلفا لطاغية ازاحته الثورة التي شارك فيها زوجها غير عابئ بانتقادات وتحذيرات وجهت له في البدء علي مواربة وتحسب ثم في صراحة وتحذير.
"لا اري ان الدولة معنية باظهار الحقيقة، بل يمكن ان اقول ان الدولة معنية بالغلاق الملف .. وانا هنا لا اتكلم فقط عن الشيخ عماد عفت، وان كنت اخصه بالذكر، ولكنني اتكلم عن عموم الشهداء، ولكنني لا استطيع ان ابقي صامتة علي ذلك لانني ، كما غير من اقارب واسر الشهداء، لا استطيع ان اهدر حق الشهيد... وينبغي علي الدولة ان تدرك ان اهدار حق الشهداء يتجاوز الافراد الذين تذهب حقوقهم سدي ويتحول لاهدار لحق الوطن الذي من اجله جاءت شهادة هؤلاء،" بحسب ما تقول نشوي عبد التواب بحسم ويقين في آن.
بالنسبة لنشوي عبد التواب فإن غياب العدالة الناجزة فيما يتعلق بحقوق الشهداء هو بلا شك تغييب متعمد، فعلي سبيل المثال فإنه في حالة الشهيد عماد عفت لم يحدث تحقيق جاد في ملابسات القتل ، بل ان النيابة الادارية لم تنته من التحقيقات او جمع الادلة ، كما انها اعتمدت علي شهادة شهود غير متطابقة مع تداعي الاحداث حسبما رصدتها زوجة الشهيد ووثقتها من خلال جمعها للقطات تسجيلية من عدد القنوات الفضائية التي كانت تبث تطورات تظاهرات مجلس الوزراء بثا حياً – رغم عدم تعاون بعض القنوات في توفير ما لديها من شرائط احتفظت بها عن هذا البث الحي.
وتقول نشوي عبد التواب أن من ذهب لميدان التحرير ومن بينهم الشيخ الشهيد عماد عفت إنما ذهب في الاصل للمطالبة بإنهاء تغييب العدل وبالتالي فهي تجد تغيب العدالة في حالة الشهداء هو ظلم مزدوج حيث يهدر حق الدم ويهدر حق الوطن الذي من اجله كانت التضحية بالحياة وترك الاحباب في الم.
في يوم تظاهرات مجلس الوزارء قبل عام من اليوم، تضيف نشوي عبد التواب، "كان عماد عفت واقفا وقفة حق في الصفوف الاولي، كما فعل قبل ذلك كثيرا" ولكن احدا لم يقل الحق عن كيف استشهد عماد عفت، وهذا لا يقتصر فقط علي شهود تقول انهم ترتاب لامرهم ولكن ايضا فيما يتعلق بهؤلاء الذين لم يتكلموا من الاساس ومن بينهم مئات الضباط والاف المجندين الذين كانوا يقفون علي تأمين الساحة والشوارع المحيطة بمجلس الوزراء بوصف البناء من اهم ابنية الدولة الحيوية.
نشوي عبد التواب التي امتنعت عن تسليم النيابة سترة كان الشيخ الشهيد يرتديها وقت ان اسكتت رصاصات الغدر صوته القائل دوما بالحق، رفضت ايضا ان تطلب شهودا كانت تعلم ان اقوالهم يمكن ان تؤدي لاظهار الحق من الذهاب للنيابة لخشيتها من تعرض هؤلاء لاذي لان الهدف كما تعيد وتكرار هو "طمس الحقيقة وليس اظهارها".
زوجة الشيخ الشهيد التي اتهمت ، ومازلت تتهم، المجلس العسكري الذي حكم البلاد خلال الفترة الانتقالية منذ تنحي الرئيس السابق حسني مبارك في الحادي عشر من فبراير 2011 وحتي اداء محمد مرسي اول رئيس مدني منتخب للبلاد اليمين الدستورية في 30 يونيو العام الجاري ، اتت اليوم لتضيف الرئيس مرسي لقائمة من يقع عليهم لوم العدالة الغائبة – والتي تصر ان غيابها يمثل دعوة مبطنة لتكرار الجرم بحق اخرين، وهو ما كان بالفعل مرات وليس مرة واحدة – حيث انه "كرئيس منتخب تعهد بالسعي نحو احقاق حق الشهداء وهو ما لم يفعله" لاسباب تراها "متصلة بحسابات سياسية " لا تظن انها يمكن ان تؤسس لما ينفع لانها متجاوزة في ذاتها لاسباب العدل والحق. "عماد اصلا مات علشان كلمة الحق والدين،" تقولها نشوي عبد التواب بفخر وحب وآسي.
اسرة الشيخ الشهيد عماد عفت كما اسرة اثنين اخرين من الشهداء بدأتا في اجراءات تقاضي ضد الرئيس محمد مرسي "بصفته السياسية" كونه "منح قيادات المجلس العسكري الخروج الآمن". وحتي وانها لا تعول كثيرا عما ستأتي به هذه القضية او متي سيتم انجاز فصولها فإنها تشعر ان مجرد السعي في اجراءات التقاضي هو رسالة هامة للتذكرة بان للحق انصار يبقون في السعي إليه عن قوة ، حتي ولم يكونوا من أولي البأس.
ولا تقصر نشوي عبد التواب غضب من اغضبهم قول عماد عفت للحق عندما طالب في رده علي سؤال احد طلاب العلم في مجالسه ، التي قصدها الكثيرون والكثيرات عبر اعوام متتالية، حول جواز انتخاب بعض من فلول الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في عهدة مبارك او غيرهم ممن افسدوا في الارض اثناء انتخابات مجلس الشعب التي جرت في خريف – شتاء 2011.
فأمين دار الافتاء الشهيد ، والذي كان ينأي باسم المؤسسة الرسمية التي عمل بها رغم اعتزازه لاسم مؤسسة الازهر التي تعلم وعلم فيها عن دروب حديث السياسة ، تحدث بما يغضب الكثيرين دون ان تأخذه في الحق لومة لائم، حيث كان القصد عنده دوما مرتبطا بالحقيقة وليس بالاشخاص بغض النظر عن انتمائتهم او بالاحداث.
فلقد تحدث عماد عفت وهو من كان له محبين وتلاميذ كثر – رغم انه ابدا لم يكن ساعيا لزعامة بل كان له ايمان باظهار العلم واخفاء النفس – لدعم ثورة يناير ، كما انه اقر بفضل كل ثوار يناير وشهدائها بعيدا عن الانتماء الديني او السياسي وبعيدا عن تفاصيل المظهر ، بل انه اخذ علي من يتخاذل عن نصرة الثوار حتي ولو رفع، او كان علي ظن انه يرفع، راية الاسلام.
ما قال وما كتب عماد عفت لم يكن ابداً حسبما تصر نشوي عبد التواب عنوانا لمزاج ديني بعينه او نبراسا لسياق سياسي هنا اوهناك، فالشيخ الشهيد الذي احب الازهر ورآه دوما قلعة حصينة تحتفظ بسنوات من العلم بنيت علي اسس متينة ، خبر تجربة السلفية دون ان تستغرقه وارتاد اروقة التصوف دون تأسره، فبقي متمركزا في الرحاب الواسع لروح الاسلام المضيئة وعصيا علي التحزب السياسي.
شغل عماد عفت نفسه، حسبما تقول نشوي عبدالتواب بفخر يقارب الفرح، بالنظر في التراث الاسلامي الثري – خاصة في تفسير شيخ الازهر في القرن التاسع عشر ابراهيم الباجوري للقرآن – والنهل منه مشاركة مع تلاميذه مؤثرا ذلك علي ان يصف بقلمه كتبا يضع اسمه عليه ، ولكن ذلك لم يحل دون ان يكتب مقالات ودروسا او ان يسمح بتسجيل جوانب من مجالس العلم التي تحدث فيها، واليوم يعكف بعض من تلاميذه علي جمع ما كتب وما قال في تبويب وتدوين يمكن من ان تأتي الكلمات متراصة في كتاب يصدر لاهتمام من سمع عن عماد عفت دون ان يكون له حظ قراءة ما قال او الاستماع لحديثه سواء ما تعلق منه بعلوم الدين او حال الدنيا من حديث عن مصر واحوالها إلي حديث عن القضية الفلسطينية والوضع في افغانستان بل والموقف من اسامة بن لادن.
في الوقت ذاته فإن تلاميذ ومحبين للشيخ الشهيد اقاموا عناوين لاتباع نهج التعلم القائم علي "معرفة الحق دون اتباع اعمي او رفض مسبق" احدهما هو "دار العماد" والاخر هو "ميراث الحبيب" وكليهما معاهد لدراسة علوم الدين بما لا يبعد بالدين عن الدنيا وشئونها بما في ذلك السياسة التي سعي عماد عفته نفسه لدراستها باكاديمية ناصر قبل اعوام من استشهاده دون ان يحصل علي اذن الجهات الامنية المعنية والتي ارادت دوما فصلا تعسفيا للدين عن الدنيا ولم تسمح به إلا لمن رأت ان تسمح به له.
اما سيرة عماد عفت فهي ما تعكف نشوي عبد التواب وعدد من تلاميذ الشيخ الشهيد المحبين والمقربين علي تدوينها في فيلم وثائقي قصير اقترح بداية ان يأتي اصداره مع ذكري الاستشهاد ولكن توافق الرأي علي ان يكون مع ذكري اليوم الذي احبه عماد عفت : 25 يناير، يوم الثورة. "لعماد عفت الباحث عن الحق" هو العنوان المرجح للفيلم الوثائقي القصير الذي يروي قصة عماد عفت، كونه عمادا للدين والحق قبل ان يكون لهما شهيداً.
تقول نشوي عبد التواب "لقد كان عماد رحمة الله عليه دوما يذكر نفسه ويذكرنا جميعا ، اسرته وتلاميذه، ان علينا ان نبحث عن الحق لاننا سنحاسب". وتضيف ان السعي للحق هو ما عاش وما استشهد عماد عفت من اجله، واليوم فكثيرون ممن يتحدثون عن عماد عفت يشيرون إلي نورانية ابتسامته وحياءها الخلوق، او إلي هدوء نفسه وتواضعه المحبب – وهذا كله عند زوجة الشيخ الشهيد جميل وسليم – ولكن الاهم عندها ، وكما تعلم "عنده" هو الاسترشاد بالسعي نحو الحق قولا وفعلاً، بما في ذلك السعي في نصرة المستضعفين واغاثة السائل وفك ازمة المكروب.
وفي هذا كله، كما تضيف زوجة الشيخ الشهيد كان الاخلاص هو الاصل ، وهو من كان يقول دوما "طوبي للمخلصين فهم مصابيح الهدي تنجلي عنهم كل عتمة ظلماء".
من اقوال الشيخ الشهيد عماد عفت
"أقسم بالله العظيم أني لم أَحْبِبْ مِصْرَ ولا افتخرت بمصريتي إلا في ميدان التحرير، وأقسم بالذي يُـحْلَفُ به أن هواءَ ميدان التحرير أحبُّ إليَّ من هواء الحرم الشريف، ولو أني خُيِّرْتُ بين أن أحج بيت الله تعالى وبين شهود هذه الأيام في ميدان التحرير لما عدلت عن الميدان وأيامه بغيره، وإني لأقطع أن من لم يرَ ميدان التحرير هذه الأيام لم ير مصر، وأنه محروم."
"أنا شخصيًّا مدين للثوار ومنهم مينا دانيال بالحرية والخلاص من مبارك وجماعته، وكل ما منّ الله تعالى علينا به في هذه الثورة المباركة، ولا أستطيع شكر الله تعالى حتى أشكرهم جميعا، كم كنت أصحو وأنام وأنا أنتظر اليوم الذي نستيقظ فيه على خبر موت مبارك، بغض النظر عمن يخلفه بعد ذلك فمنّ الله تعالى علينا بما لم أتخيله ولم أحلم به، ولا أزعم أني حتى شاركت فيه، بل شارك فيه هؤلاء الأحرار الثوار الأبطال المغاوير الذين صدقوا فصدقهم الله تعالى، ومنهم من لا أعرف وقد مضى إلى ربه من مسلم ومن غير مسلم، مضى وهو يطوق عنقي وعنق أولادي الذين سيخرجون للدنيا لا يرون صورة مبارك ولا يسمعون صوته ولا يتكدرون بشلة الفساد عز وصفوت وزكريا وفتحي وغيرهم، يطوقون أعناقنا بدين لا أستطيع ما حييت إيفاء شكره، فأكل إلى الله تعالى شكرهم على ذلك. أمثال هؤلاء في الأمم المحترمة يخلد ذكراهم ويوهبون الأوسمة والأنواط، ويكرم أهاليهم."
"والذي نفسي بيده لقد رأيت من يدافع عن الثورة ويصد عدوان الظالمين عنها وهو لا يصلي؛ فالجدير بأهل العلم والزهد والتصوف أن يدافعوا ويصدوا ويذودوا عن أمتهم وضعفائها، والعبرة في المواقف بوقت الشدة لا بوقت الرخاء."
"أيها الإخوان -والمتخندقون في خندقهم- الزاعمون أنكم ما نزلتم لنصرة ثوار التحرير واستنكار مجازر المجلس الأعلي والداخلية ضدهم إلا خوفا من المؤامرة المزعومة لإفشال الانتخابات [رغم أنكم لم تشاركوا التحرير بعد الخلع إلا في جمعة وحيدة على مدي تسعة أشهر، ورغم أنه قيل لكم لا تشاركوا في أحداث الشارع، ولكن كَثِّرُوا سوادَ الناس، وقفوا معهم في الميدان كما نجحت الثورة باجتماعكم فيه]: الآن وقد اطمأننتم على سلامة الانتخابات الغالية، والآن وقد هدأ محمد محمود وأحداثه، الآن وقد نزل المصريون لرثاء الشهداء وعزاء أسرهم والتضامن معهم والمطالبة بحقوقهم، لماذا لم تشاركوا الشعب المصري آلامه خاصة بعد أن صرتم نوابه!"
"إن أشخاصا من عموم الناس الذين ليس لهم انتماءات حزبية ولا فكرية نزلوا لنصرة المظلومين بدافع ديني أو بدافع أخلاقي أو بدافع إنساني، وباتوا يحرسون ميادين التحرير، وأنتم بِتم مقيدين بمواقف قادة الجماعة واستجبتم لها حتى قبل أن يخرج بيان منهم يبرر قعودهم، وهذه هي الطاعة المذمومة التي ما أنزل الله تعالى بها من سلطان: طاعة لمجهول في غير مشروع، ظلمات بعضها فوق بعض، جمعت حَشَفًا وسوءَ كيلة، ولسان حالكم يقول: ما دامت الجماعة قد اتخذت هذا الموقف فقد صَدَقَت!!!!!!!!! تذكروا أعزتي أن أفضل المواقف لكم [كالنزول يوم 25 و28 والحفاظ على الميدان يوم وقعة الجمل] قد أخذتموها بعيدا عن قرار قيادات الجماعة إياهم وعندما لم تنتظروا تعليماتهم."
"والفرحة الحقيقية ليس بوصول الإسلاميين إلى السلطة، فهذا لا يفرح في شيء؛ بل الفرح الحقيقي في وصول الإسلام إلى السلطة. وعندي أن يتولى السلطة غير إسلامي فيصلح أو يفسد أخف في البلاء من تولي إسلامي يفسد أو يصد الناس عن الدين أو يضيع البلاد والعباد، أو يسبب تقسيم البلاد وضياعها أو يكون عميلا للغرب ورجلهم في المنطقة . وللأسف هناك كثير من الشباب المخلص المتوهج حماسة ورغبة في نصرة الدين ضاعت وتضيع آماله مع قيادات معيبة وضعيفة سياسيا وعلميا وتربويا. فلا نريد أن نكرر أخطاء السابقين، والسعيد من وُعِظ بغيره."
--
مينا دانيال – من اجل يوم يكون للوطن فيه السلام وفي ابناءه مسرة
رآي البعض في وجهه يسوع المسيح وهو يسير طريق الآلام دون ان يتنازل عن دعواه "ان حبوا اعدائكم وصلوا للاعنيكم "بينما رأي البعض الاخر في ذات الوجه ثورة الزعيم اللاتيني تش جيفارا، الذي قضي هو الأخرفي التاسع من الاكتوبر ... هكذا تتذكر ماري دانيال الشهيد الثائر مينا دانيال ، اخيها الذي فارق الحياة وهو بعد في مطلع العشرينات بينما هي في مطلع الاربعينات فيما كان قد جعلها له اما قبل ان تكون اختا خلال حياتهما المشتركة وجعلها من بعد استشهاده حاملة لصليب سقط من عليه ولم يسقطه – صليب لوطن يفرض علي مواطنيه الفقر والجوع والتمييز.
وكما ان اخيها-ابنها هو رجع لصورة لوجه يسوع المتألم فإن اعين ماري، الحاملة لاسم سيدة مريم الام العذراء ليسوع المسيح، تحمل أيضا نظرات السيدة العذراء عندما وصل المسيح نهاية طريق الآلام من اسي لا يدانيه الا الورع ، متألمة ماري دانيال ليس فقط لانها حرمت الاخ-الابن الذي كان الأخ الاقرب والابن الوحيد – كان يناديها يا ماما بينما كان ينادي امه يا أمي – بل ان "قضية مينا وشهداء ماسبيرو خلاص باظت"... القضية ضلت سبيلها بين من طالب بالمحاكمة العسكرية لان العسكر كان من دهم مينا دانيال ورفاقه يوم ان تظاهروا في التاسع من اكتوبر 2011 ضد ما كان ينال اقباط مصر من هجمات متتالية وصلت لاعتداءات علي الكنائس بل وحرقها ومن سعي لجعلها محاكمة مدنية.. "في النهاية المحامين بيجروا وراء القضية والقضية دخلت في بعضها والبعض يريد اخفاء الحق، للاسف في ناس بتتكلم عن عملية تعمية للحقيقة باسم القتل الخطأ.. للاسف هذا الوضع كان اثناء الحكم الانتقالي ومازال بعد انتخاب الرئيس الذي كان قد وعد بان يأتي بحقوق الشهداء".
لكن ماري دانيال ، كما اخيها-ابنها الذي طالما قال انه لا يسعي إلا للحق ولا يساند سوي الحق ومن معه بغض النظر عن هويته او ميله قبطي او إسلامي، تثق ان الحق يأتي ولو بعد حين ولو قست الآلام لان بعد الموت قيامة والقيامة هي بالحق وللحق. "ليس عندي اي امل في القضية ولا في الحكومة ، لكن احب اقول لكل واحد مسؤول انك ممكن تفكر انك تقدر تستخف بعقلي ، لكن انصحك الا تستخف بدماء الشهداء ولا تظن ان اهالي الشهداء سيصدقون اي كلام،" تقول ماري دانيال وتضيف ان "حق مينا وكل الشهداء مش هيضيع علي طول، لازم هييجي ، هييجي لان احنا مش هنسيبه، مش بس احنا الاهالي، لكن احنا الناس اللي الشهدا ماتوا علشانهم، ماتوا علشان نعيش في وطن من غير فقر ومن غير قهر ومن غير تمييز".
"حق مينا وحق الشهدا مش هيضيع لكنه هييجي لما العدل يييجي،" تقول ماري دانيال التي توصف وصول العدل لارض مصر بوصول من يحكم ليحقق احلام واهداف ثورة 25 يناير من عيش وحرية وعدالة اجتماعية – وكل ما هو دون ذلك في رأيها مؤقت بحكم انه لا يعبر عما يريده الشعب المصري في مجمله الذي نزل لميدان التحرير وميادين اخري في الوطن متوحدا بعيدا عن كل اصطفاف ديني وعقائدي وفكري.
وستبقي عزيمة اسر الشهداء ومحبيهم ، مثل اولئك الذين اسسوا حركة مينا دانيال وهي حركة اجتماعية تنشط لمناهضة الفقر والتمييز والقهر بكل صوره ومن كل مصادره، قادرة علي ان تروي قصة هؤلاء الشهداء حتي لا تضيع التضحيات سدي. "هافضل اتكلم وهافضل اروح في كل مكان وافكر الناس لو كانوا هينسوا وهافضل اتواجد في كل مكان ممكن تواجدي فيه يفكر الناس بمينا وغيره من الشهداـ وكمان هافضل افكر الناس ان مينا لما نزل يوم 9 اكتوبر ما كانش نازل لسبب طائفي زي البعض ما بيحاول دلوقتي يقول عنه ولكن كان نازل لايمانه بوطن كل اللي فيه متساويين وكل الحقوق محفوظة دون تمييز،" تقول ماري دانيال باصرار من لا يعرف اليأس ومن يتجاوز الضعف الانساني بقوة الايمان.
تفاصيل التاسع من اكتوبر 2011 يوم استشهد مينا دانيال بينما التلفزيون المصري المملوك للشعب يحض المواطنين ضد المتظاهرين بوصفهم "فئة" تعتدي علي القوات المسلحة لا تغادر ماري دانيال بل وتستمر في دفع الدموع لعينيها بعد اكثر من عام. يومها جاء الاخ-الابن لمائدة الام-الاخت لغذاء دعته إليه بالحاح واعدت له فيه كل ما يحب من اطعمة وحلوي.
تتذكر ماري "يومها نزل علشان يروح المسيرة وقبل ما ينزل كان بيدلعني وبيضحك ضحكته العالية اللي كانت تملأ كل الدنيا ، ثم سلم علي واحتضني ثم ذهب قبل ان يعود بعد ذلك بدقائق قليلة ليلتقط شيئا ثم عاد واحتضنني بشدة ثم ذهب للمسيرة وذهبت بعده ولم التقيه خلال المسيرة ولكنني رأيته بعد ان كانت الرصاصة قد اخترقت صدره لتقتله".
مينا دانيال الذي كان يدرس ترميم الاثار والذي اخبر ماري دانيال يوما بفرح انه عندما رقد في احد المقابر الفرعونية قيدالترميم وحد ان قياس جسده يناسب تماما قياس جسد المصريين القدماء رقد علي رجاء القيامة ، ولكن حلمه بقي ليس فقط مع اسرة وحبيبة تركها قبل ان يبدأ طريق الارتباط واصدقاء واعضاء في ائتلاف شباب ماسبيرو وحزب الحالف الشعبي الاشتراكي وحركة شباب من اجل الحرية والعدالة، ولكن ايضا مع مواطنين يعانون مما عانه مينا دانيال قبل الثورة من ظلم وتهميش – لم يكن مينا دانيال يري ان تهميشه ينبغ فقط من كونه قبطي لانه كان يري ان النظام قبل ثورة 25 يناير يمارس التحريض الطائفي عمدا لبث الضغينة في نفوس المواطنين.
تتذكر ماري دانيال يوم ان عاد الثائر الشهيد من الاسكندرية بعد ان شارك في قداس اقيم للصلاة علي ارواح شهداء كنيسة القديسين التي وقعت عشية بداية اول ايام 2011 والتي مازال البحث قائما الجناة المتورطين فيها ، وما إذا كانوا من المتشددين من الاسلاميين ام موقعي الفتنة من ابناء النظام الحاكم في حينه. "يومها رجع وكان حزين للي حصل ولكنه كان فخور بانه وقف في وجه الجميع واعلن عن رفضه للظلم الذي كان نظام مبارك بميثله".
يومها وفي دير الانبا بيشاوي بوادي النطرون وبينما كلمات الشكر توجه من الكنيسة للممثلين ارسلهم رئيس الجمهورية مبارك للمشاركة في القداس صرخ مينا "لا" – صرخها عالية مرة واثنين وثالثة قبل ان يردد الكثير من الحاضرين من خلفه قولة "لا". "يومها قال لي العبد الله قال لا ومن وراه الشعب في القداس كمان قال لا، ولازم نفضل نقول لا لغاية الظلم ما ينتهي، وانا عن نفسي هافضل اقول لا للظلم بكل اشكاله،" حسبما تقول ماري دانيال.
كانت دعوة مينا دانيال ان ينهض المهمشون ليطالبون بحقوقهم وان يرفض كل مظلوم السقوط في دوائر التعمية السياسية التي مارسها النظام قبل الثورة والتي كان في رأيه يدس لها بعد الثورة لشق صف مجتمع تآلف في المطالبة بالحق. "كان في اغنية سماعاها لي مرة عنوانها انا مش كافر ، الجوع هو اللي كافر، وهو كان مقتنع تماما بما جاء في هذه الاغنية". وتضيف "تفائل مينا بعد الثورة مباشرة بان الامور ستسير في الاتجاه الصحيح ولكنه بعد ذلك بدأ يشعر بالاحباط".
لم يكن مينا دانيال يأبه كثيرا لمحاولة المتشددين تكفير المسيحين وكان يصر ان المواطن المصري الحق يجب ان يسعي لحقوقه بغض النظر عن ديانته وانه لا عذر يمكن ان يلتمس للمسيحيين ان يبقوا خلف اسوار الكاتدرائية ، يتظاهروا خلفها ويبكون خلفها. "مينا كان شايف الكنيسة مكان روحي وكان مؤمن انها قيادة روحية اما السياسة فمكانها خارج الكنيسة ،" تقول ماري دانيال. وتضيف انه كان يعلم ان لذلك ثمنا ولكنه يؤمن ان دفع هذا الثمن امر ضروري حتي لا يعزل المسيحيين داخل وطنهم تحت اي دعوي.