تنـفس أقبـاط قرية دلجا الصعداء، وعاد الهدوء النسبـى إلى القـرية، الواقعة جنوب غرب محافظة المنيا، بعدما سيـطرت قوات الأمن، (الشرطة والجيش)، على جنباتها، بعد نحو أسبوعيـن من عملية تحريرها من أيدى عناصر مسلحة، مساندة للرئيس المعزول، محمد مرسى، وبدا فى جولة لـ«الشروق» أن العلاقة بيـن أقباط القرية ومسلميها، والمؤيدين لمرسى ومعارضيه، إلى حد ما طبيعيـة.
ورغم ما وصفه عدد كبيـر من أهل دلجا بـ«التضييـق الأمنـى» على أعضاء الإخوان، و«الاعتداءات المتواصلة» على فعاليات مؤيدى مرسى، لا تـزال صـور الرئيس المعزول والعبارات المساندة له ــ ومنها «مرسى رئيسى» ــ ثابتة على جدران عشـرات المنازل بالقرية التى يبلغ تعداد سكانها قرابة 180 ألف نسمة، كما لاتزال مسيـرات أنصار مرسى مستمـرة، وإن كانت أقل عددا.
وعاد أقباط القـرية لمباشـرة أعمالهم وفتح محالهم بصورة طبيعيـة، بعدما ظل عدد منهم مرابطين بمنازلهم، وآخـرون غادروا القرية برمتها، بعدما قالوا إن «متشددين» هددوهم.
«أصبحنا نعيش فى أمان، وأجلس فى البيت كما أشاء» يقـول عم فتحـى، العجوز القبطى المصاب بشلل جـزئى، مرتديا جلبابه وعِمّته، متكئا على كتف أحد أحفاده. ويضيف عم فتحـى ــ الذى طالت الحـرائق منـزله الملاصق لدير مار جرجس ــ غيـر مبالٍ، «لم يَعـرض على أحد لا تعويضا ماديا ولا ترميـم المنـزل». وفى نفس السيـاق، قال القس يوآنس، أحد قساوسة ديـر مار جرجس، «الأوضاع استقـرت والأمن أصبـح مسيطـرا على كل شىء، وجود الأمن طمأننا وسمح للجميـع بمباشرة أعماله»، وهو الحال الذى لم يخفِ معه يوآنس، سؤاله عما سيحدث إذا غادر الأمن القرية، «خائف من انسحاب الأمن فتعود معها المناوشات».
ولم يكن القس يوآنس، الوحيد فى القرية الذى يخشى غياب الأمن من جديد، أو على الأقل تخفيف القبضة الحالية، فيقول طلعت أبوغريب، الرجل الأربعينى، «الحل الأمن لن يجدى، وسيظل الثأر موجودا، ما بين الأقباط المحروقة بيوتهم والمعتدين، وبين الأهالى الذين قُبض على ذويهم عشوائيا دون جُرم والشرطة»، وعما قال عنه أبوغريب إنه قبض عشوائى، أشـار مصطفى عمر، الشاب الثلاثينى، ذو اللحية الخفيفة، بنسخة ورقية مما قال إنه دفتر الحضور والانصـراف بشركة الكهرباء، حيث يعمل أخوه، الذى أُلقى القبض عليه، بتهمة الاشتـراك فى حرق كنيسة، ويظهر من الأوراق أنه كان حاضرا فى عمله وقت الأحداث فى الرابع عشر من الشهر الماضى.
ويضيف عمر، بحسـرة، «أخى متهم بحـرق كنيسة، وهو لم يسبّ مسيحيا قط، وكان انطوائيا فى علاقاته مع الناس»، وأحضـر أحد أهالى القـرية، نسخة مما قال إنه بـلاغ تقدم بـه عدد من أقباط القرية إلى نيابة ديرمواس الجزئية، يوضّح أن «5 من شبـاب القرية المقبوض عليهم، لم يرتكبوا أى جرم، وأنهم قاموا بحماية كنيسة القرية، وسمح لهم الأقباط بأداء الصلاة بها، فى حضور راعى الكنيسة الأب إبرام».
ويشيـر عدد من أهالى القـرية إلى أن ما حدث للقرية بعد فض اعتصامى رابعة والنهضة، من سيطرة «متطرفيـن»، لم يكن وليد اللحظة، بل نابع من مشكلات عِدة تسيطر على القرية، ويقول شاب فى العشرينيات من عمره، أبوبكر حسيـن، إن المشكلة فى دلجا لها بُعد دينى واجتماعى واقتصادى، مشيرا إلى أن تأييـد عدد كبيـر من أهالى القرية لنظام الرئيس المعزول، محمد مرسي، كان من وازع دينى، وكان «يُنظـرون للمعارض لهم بنظرة دونية، باعتبـاره أقل منهم تمسكا بالديـن»، مضيفا : «أيام مرسى كان المعارض كافرا، والآن أصبح فلولا»، ويضيف ثالثهم، أبوغريب، أن «المساجد كانت تدعو الأهالى يوم فض اعتصام رابعة العدوية مرددة اسلامية إسلامية وحى على الجهاد»، ويقاطعه حسنين، قائلا إن «المساجد التى نادت فى الأهالى 4 من بيـن 130 مسجد بالقرية».
«الخدمات الصحية فى القرية معدومة، وإحدى السيدات الحوامل وضعت بالأمس، أمام إحدى الوحدات الصحية، لعدم وجود طبيب... تحدث الشاب العشرينى طلعت محمد، بنوع من الامتعاض عن واحدة من مشكلات القرية قائلا: «نسـافـر ما يقرب من 20 كيلو ــ من القرية إلى مركز دير مواس ــ حتى نقوم بكشف طبى فى عيادات خاصة فى المركز»، ويضيف طلعت، أحد أهالى القرية، إن قرارا صدر من مجلس الشعب فى 2010، بإنشاء مستشفى داخل القرية، إلا أن ذلك لم يحدث.
وبعيدا عن مشكلات القرية، التى يراها أهلها لا تنتهـى، واصلت «الشروق» جولتها برفقة مجموعة من الأهالى، وفى مشهد غير مفهوم، كان عدد من الأسماء مكتوبا على جدران المنازل المحتـرقة بالقرية ــ التى لا تزال كما هى دون ترميم ــ ومشطوب عليها، ويقول عنها ياسر حسنين «إنها للمشاركين فى الاعتداء على منازل الأقباط، من يحـرق، كان يدوّن اسمه على جدران المسجد من الخارج، كنوع من أنواع ملكيته للمنزل، وفرض سيطرته عليه» وهى الرواية التى أكدها عدد من أهالى القرية، التقتهم الجريدة فى أكثر من موقع بالبلدة، ويضيف حسنين «مع ذلك من الأسماء المكتوبة لم يقبض على أصحابها».
وظهـر جليا الانتشـار الأمنـى بين شوارع القرية، وكان كل من رأتهم «الشروق»، من ضباط وأفـراد وخفـراء (بزى مدنى) مدججيـن بالأسلحة، ويؤكد أحد الأهالى، أن الأمن مسيطـر على القرية بالكامل وحظر التجول يطبّق فيها بصـرامة.
وقال اللواء صـلاح زيادة، محافظ المنيا، خلال استقباله لوفد من القوى السياسية، الجمعة، إن القرية «تحتـاج إلى جهد كبيـر وإن مشكلاتها الأساسية تتمثل فى التعليم والخطاب الدينى والتخطيط العمرانى والبطالة وضعف الخدمات الصحية»، مشيرا إلى أن المحافظة فى سبيل التقليل من المشكلة الأخيرة، أوفدت 8 سيارات مجهـزة كعيـادات خارجية، إلى القـرية.