كراكيب

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الأربعاء 1 أبريل 2009 - 7:02 م بتوقيت القاهرة

 
أصابها توتر عظيم وقد مضت عليها فى هذا الوضع ساعتان بالتمام والكمال، القلم فى يدها ولا تخط حرفا واحدا، تمسك بزمام فكرة وسرعان ما تستخفها، تقود ذهنها عنوة للتركيز فيشرد ويعاندها، تتذكر كم الأعباء البحثية الملقاة عليها فيتضاعف إحساسها بالقلق .

تعنف نفسها لأنها تأخذ ما يزيد كثيرا على طاقتها ثم تقول بحسم: مش وقته، يا رب، أما لتلك الحالة من نهاية؟ تذكرت نصيحة أستاذها الطيب قبل أكثر من عشرين عاما عندما كانت تمر بحالات من هذا النوع وهى تكتب أولى صفحات رسالتها للدكتوراة، كان يقول: إذا راوغتك شياطين الكتابة فلا تقاومى، ترحمت عليه فى سرها، ولم تجد فى نفسها استعدادا للمراوغة فقررت أن تستسلم وتتوقف عن محاولة الكتابة.

حانت منها التفاتة إلى غرفة الصالون على يسارها وبدا لها كأنها تراها لأول مرة فى حياتها، خلت الغرفة من عشرات الكراكيب التى كانت تزدحم بها لسنين طويلة، بعد أن ضاقت الشقة على أسرتها الصغيرة، وتحولت غرفة الضيوف إلى مخزن يلقى فيه الأبناء بكل شيء .

كل شيء بالمعنى الحرفى للكلمة، الكمبيوتر، الكتب، أقراص الـCDs والـDVDs، أعداد خاصة من مجلات بعضها توقف عن الصدور ومؤخرا ملابس الغد المعدة لمشوار الكلية أو العمل أو الفسحة.

فى كل مرة كانت تستقبل ضيفا كانت تبذل مجهودا خرافيا لتجهيز الغرفة، تقطع المسافة الفاصلة بين غرفة الصالون وغرفة نومها عشرات المرات لإخفاء كراكيب الأبناء عن العيون والظهور أمام الضيف الكريم بمظهر حضارى لائق. حتى إذا ما انفض السامر وانتهت الزيارة قطعت الطريق بالعكس وعادت فوضى الصالون سيرتها الأولى.

كان منطق الأبناء أن الصالون غرفة زائدة عن الحاجة، فقليلون هم الأغراب الذين نستضيفهم ونحتاج أن نتكلف أمامهم حسن الترتيب وجمال الذوق، فالمشكل إذن فى وجود الصالون وليس فى الفوضى التى تضرب فيه. وكانت ترد أنها وكل بنات جيلها تربين على أن للضيوف غرفة.

عادة ما تكون الأبهى والأشيك، فهى واجهة المكان، وهى عنوان الكتاب، ومنها يقرأ حال أهل البيت. تفتح الغرفة عند الطلب، ولا تطمئن الأم لأحد غيرها، أو على الأقل لأحد فى غير حضورها يمد إلى الصالون يدا، ففيه ما يكسر وبعض ما قد يكسر ثمين، تطارد الصغار الذين يصحبون الأهل فى زياراتهم ولكن بأدب، وتنقذ أوانى الزهر الزجاجية من عبث أياديهم ولكن بأعجوبة.

أما عندما كان الأبناء أنفسهم فى تلك السن الصغيرة فما كانت تجدى معهم مطاردة ولا كان ينفع معهم أدب، فالبيت بيتهم، وليس هناك من يتفرغ للدفاع عن الأوانى والتحف من عفرتتهم المحببة، فكان الأسلم من وجهة نظرها تجريد الغرفة من كل ما تسعفهم قاماتهم القصيرة أن يطولوه.

حينها راحت تتحسر على الغرفة الجرداء، وتنظر بأسى إلى تحفها المكومة أعلى الدولاب، وتمنى النفس أن يأتى اليوم الذى يعى فيه الأبناء ويعقلون، فتعيد رص الأشياء فوق المناضد وعلى الجدران وفى الزوايا، حتى إذا كبر الأبناء فعلا ووعوا غزت أمتعتهم الصالون، وحرمت مرة ثانية من أن تراه كما تشتهى وإن بطريقة أخرى ومع اختلاف فى التفاصيل.

اليوم هى ترمق الغرفة وعلى شفتيها شبح ابتسامة، صارت الغرفة مرتبة كما حلمت لها دائما أن تكون، المفرش الأورجانزا استقر على المنضدة المستطيلة لا من يجذبه من الأطراف، التماثيل الصغيرة كل منها يحمل ذكرى سفرة لها لهذه المدينة أو تلك عادت تتناثر على أرفف النيش وقد رممت أحدها بعناية فلا يكشف خدشه إلا الخبير.

السجادة الممتدة بطول الغرفة بعد سنوات من الطى بهتت عليها بقع الحبر والطعام عالجتها بكل أنواع المساحيق الممكنة ففشلت مرة ونجحت مرة، الستائر الزرقاء منفرجة ما عادت تخفى وراءها حقائب مكدسة... وعلى الجدار صورتان كبيرتان متجاورتان للأبناء فى ليلة العمر، هما كل ما تبقى لها من كراكيبهم فى الصالون، هل هى كراكيب؟

تمنت ساعتها لو عادت الفوضى تعم المكان، لو أنها عادت تشق طريقها بصعوبة وسط أشيائهم، خشية أن تتعثر وتسقط، أحست بحنين لهم لا يقاوم، وعجبت من نفسها كيف كانت تحلم بيوم تستبدل فيه التحف بوجودهم، ودت بجد لو لم يذهبوا.

أعادت طرح سؤالهم القديم عليها: أى فائدة لغرفة الصالون والدنيا مشاغل والزوار مقلون والناس باتوا يستسهلون ضيافة النوادى والكافيهات ويفضلونها على ضيافة المنازل والحجر، همت بأن تتخلص من ملل التفكير فى البحث الذى لم تعد فعليا تفكر فيه وتعيد ترتيب جغرافية المكان بشكل مختلف، فلا يعود فى بيتها صالون للضيوف.

لكنها فجأة تذكرت، نعم تذكرت، تذكرت أن فى الأفق القريب ــ بإذن الله ــ عفاريت صغارا لا شك أن بيوت الأبناء ستضيق عن استيعاب كراكيبهم الكثيرة، وأن هناك وظيفة جديدة تنتظر الصالون العتيد، بعد شهور قادمة يتحول معها ومن خلالها من مخزن للأشياء إلى بيت للعب.


ا

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved