مبادرات الخروج من الأزمة: رؤية تحليلية
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الخميس 1 أغسطس 2013 - 8:00 ص
بتوقيت القاهرة
لدينا ما لا يقل عن خمس مبادرات تالية على عزل الدكتور محمد مرسى فى ٣ يوليو الماضى، منها المبادرة التى حملت عنوان «مبادرة لاستكمال الثورة الآن وليس غدا» ووقعها نحو ١٥٠٠ من الشخصيات العامة من اتجاهات مختلفة، والمبادرة التى جاءت تحت مسمى «نداء إلى أبناء الشعب المصرى حكاما ومحكومين» ووقعها بعض أصحاب المبادرة الأولى، والمبادرة التى ارتبطت باسم الدكتور هشام قنديل رئيس الوزراء السابق، والمبادرة التى تقدم بها بعض المنتمين للتيار الإسلامى واقترنت باسم الدكتور محمد سليم العوا، والمبادرة التى حملت الدعوة إلى «ميدان ثالث» بخلاف ميادين اعتصام مؤيدى مرسى ومعارضيه وارتبطت باسم دكتور عبدالمنعم أبو الفتوح رغم مشاركات أخرى من تيارات يسارية وليبرالية. وبالإضافة إلى ما سبق فإن ثمة مبادرة منسوبة لكاثرين آشتون تطرح الخروج الآمن للإخوان وعلى رأسهم مرسى مقابل فض اعتصامى رابعة والنهضة، كما أن هناك مبادرة فى الطريق لفضيلة شيخ الأزهر، وأخرى تعرف بالتيار الثالث ومبادرة تقدم بها ما يسمى بالطرف الرابع لكن دون تفاصيل كثيرة عن هذه الجهود الأخيرة.
كمبدأ عام فإن الحل السياسى يتخلق من رحم المبادرات والمبادرات المضادة، وبالتالى فإن كلها مساع محمودة اتفقنا معها أو اختلفنا كما أنها تحليلها مفيد للبناء عليها، لكن لنبدأ أولا باستبعاد مبادرة نداء إلى أبناء الشعب المصرى لكونها جزئية تنصب على سبل وقف العنف وتفعيل دور القانون، فعلى الرغم من خطورة الظاهرة التى تعالجها فإنها لا تقدم رؤية شاملة للحل ربما اعتمادا على المبادرة التى تقدم بها بعض موقعى نداء لاستكمال الثورة. كما دعونا نستبعد أيضا مبادرة الميدان الثالث التى تنطلق من رفض حكم الإخوان والعسكر فى المجمل ودون بنود تفصيلية للتسوية، وهكذا تتبقى لدينا المبادرات الثلاث الأخرى. وفى هذا الخصوص يمكن القول إن مبادرة هشام قنديل هى الأبعد عن الواقع لأنها تتضمن استفتاء الشعب على «ما حدث من انقسام»، وهو مطلب أصبح خارج السياق التاريخى للأحداث، فضلا عن أن الاستفتاء سوف يؤمنه الجيش الذى يلعنه الإسلاميون صباح مساء، كما أن المبادرة تدعو إلى الإفراج عن المعتقلين بعد 30 يونيو وتجميد قضاياهم فلماذا هم دون غيرهم؟ وكيف هم إذا ثبت تورطهم فى التحريض على العنف؟
●●●
مبادرة العوا والقوى الإسلامية تحاول البحث عن إخراج قانونى للمشهد السياسى، فتنص على أن يقوم رئيس الجمهورية «وهو فى نظرها محمد مرسى» بتفويض صلاحياته كاملة لرئيس وزراء حكومة وفاقية تبعا لنص المادة 142 من الدستور المعطل. مثل هذا الوضع يشبه تماما ما حدث مع حسنى مبارك حين كلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد، ومع ذلك فإن هذا الإخراج ليس متقن الصنع. أولا لأن المادة 142 تتحدث عن تفويض بعض صلاحيات «الرئيس» وليس كلها، وثانيا لأن المبادرة تتأرجح بين رفض بيان الفريق السيسى فى 3 يوليو وبين قبوله، فتقبل منه حل مجلس الشورى وهذا دستوريا لا يجوز وترفض منه عزل الرئيس لأنه دستوريا لا تتوفر إجراءات عزله، وثالثا لأنه إذا كانت فى انتظار مرسى عشرة اتهامات بعضها خطير فكيف نقفز عليها ونستدعيه من محبسه ليفوض صلاحياته؟، هذا طبعا دون الحديث عن صعوبة موافقة التيار الإسلامى على رئيس وزراء يرث صلاحيات مرسى ويتمتع بالاستقلال. إن هذه المبادرة تحاول التقليل من خسائر الإخوان وتحتفظ بها عند مستوى إزاحة الرئيس لا إسقاط الدستور، ومعلوم أن أكثر القوى الثورية تتحفظ على مبدأ تعديل الدستور أصلا مهما تم التوسع فى نطاق التعديل.
أما المبادرة التى أطلقتها مجموعة الشخصيات العامة فهى الأكثر استفاضة وتبلورا وتفصيلا، بل إن لها ديباجة ومسوغات وعناصر محددة، لكن يعيبها أمران. الأول أنها تطيل المدة الانتقالية لأمد غير معلوم حيث لا يدرى أحد متى يتحقق التوافق المجتمعى الذى يوضع بعده الدستور الدائم. والثانى أنها تعيد وضع العربة أمام الحصان بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية قبل تحديد الصلاحيات التنفيذية والتشريعية فى الدستور الدائم اعتمادا على وجود إعلان دستورى جديد يشارك الجميع فى وضعه. كنت أفهم لو أن المبادرة تبنت العودة لدستور 1971 لمدة عامين مع تعديل بعض صلاحيات رئيس الجمهورية وبعض مواد الحقوق والحريات أما إلقاء مصير الدستور الدائم فى غياهب الجب والركون إلى إعلان دستورى فأمر مقلق بشدة.
●●●
بعض الأفكار المطروحة فى المبادرات السابقة تحتاج إلى تطوير لتحريك المياه السياسية الراكدة، لكن الأهم فى صياغة المبادرات المقبلة هو التأكيد على مجموعة من المبادئ الأساسية التى تستجيب لأهداف الموجة الثانية من الثورة وأهمها: أن صفحة محمد مرسى قد طويت إلى الأبد، وأنه لا بد من فصل الدعوة عن العمل السياسى، وأن دستور 2012 الذى كان أحد أهم أسباب الأزمة السياسية لا يمكن أن يكون جزءا من الحل، وأن وجود الجيش فى المشهد السياسى مؤقت ولن يسمح أحد بتمديده تحت أى ظرف، وأن العدالة الانتقالية تشمل كل المرحلة من 1981 وحتى الآن وهى لا انتقامية ولا انتقائية، وأنه لا تهاون مع ترويع المواطنين وتحويل حياتهم إلى جحيم بدعوى حرية الاعتصام والتظاهر. وعندما تستقر هذه المبادئ فى ضمير الفرقاء السياسيين ويدرك كل منهم أنه ليس بديلا عن الآخر عندها يمكن أن تتخلق مبادرة ترتفع إلى مستوى تطلعات الثورة والثوار.
أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة