الكلمات المتقاطعة
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الخميس 1 سبتمبر 2011 - 9:07 ص
بتوقيت القاهرة
كانت شفرة الموسى تتقدم ببطء شديد وهى تقاوم القوة المضادة تجذب يد الدكتور نبيل فى الاتجاه المعاكس. بدا له وكأن عليه اليوم أن يفعل كل شىء عنوة، يصحو فى ميعاده الطبيعى عنوة، يتناول كوب النسكافيه المركز عنوة، يتصفح عناوين الصحف المبعثرة حوله عنوة، ويذهب إلى العمل عنوة. توقف نبيل عن الحلاقة وقد بدا له رنين كلمة «العمل» غريبا على أذنيه فأنهى مهمته الثقيلة دون إتقان وانطلق يبحث عن أقرب فوتيه يستقبل جسده السمين.
حدثته نفسه بأن أكثر ما يحتاج إليه فى هذه اللحظة هو آلة للزمن يركبها ويهتك برحلته فيها أستار المجهول، فمنذ فترة وهو يعيش اليوم بيومه لا يعرف مصيره ولا يوقن أى نبأ يحمله له غده. بعد ثلاثة وثلاثين عاما قضاها فى هيئته الاقتصادية قُدر له أخيرا أن يصعد إلى رئاستها. مشى المشوار من أوله، ورفض الانتداب خارج الهيئة رغم ما فيه من مكسب مادى، واصل تعليمه حتى حصل على درجة الدكتوراه، وألف كتابين أثار أحدهما ضجة فى حينه بين المتخصصين، ونسى فى غمار ذلك أن يتزوج. وأخيرا.. أخيرا جدا ها هو يصل منذ عشرة أشهر بالتمام والكمال ليكون رئيس الهيئة. ابتسم الدكتور نبيل لا شعوريا وهو يتوقف عند هذه المحطة التى يعتز بها أكثر من أى مرحلة أخرى فى حياته. فلفظ «الرئيس» يشجيه بلا مدى حتى وإن كان مجرد رئيس هيئة، لكن لا يهم فالرئاسة لها سحر وجاه سواء كان المرءوسون بالعشرات أو كانوا بالملايين، وسواء كان زمام الرئاسة مؤسسة أو كان دولة. الرئيس هو الرئيس.
لكن الحلم الذى أصبح حقيقة تحول بقدرة قادر إلى كابوس يؤرقه. فى هيئته هرج ومرج، أحاديث متناثرة عن فساد بعض من سبقوه، واتهامات متطايرة تطوله هو نفسه تخص تعاونه مع النظام البائد. آااه من هذه العبارة التى تذبح كالسكين دون شفقة أو رحمة، عبارة «النظام البائد». أى ميزة حققها له هذا النظام البائد إن كان قد وصل إلى رئاسة الهيئة قبل خمسة أعوام لا أكثر من إحالته إلى التقاعد؟.
خطفه من توتره رنين جرس التليفون الأرضى، ففكر ألا يرد ثم قرر أن يرد. على الخط أتاه صوت أخيه، ألقى عليه تحية الصباح وفاجأه بالقول: انظر إلى مسابقة الكلمات المتقاطعة فى أهرام اليوم فإن اسمك وارد فيها. كان المطلوب هو الاسم الأول لمؤلف كتاب «التكلفة الاجتماعية للرأسمالية»، كتابك الأشهر يا سيدى. الحق أن التوصل للحل لم يكن سهلا فليس لكل القراء اهتمام بالاقتصاد. لكن ملء المربعات الفارغة أفقيا ورأسيا يهدى إلى الحروف الأربعة المكونة لاسمك: نبيل. كانت مفاجأة صاحبنا بهذا الخبر تامة، فما من مرة واحدة تسلى فيها بهذه اللعبة على خلاف بعض زملائه فى الهيئة عن يمين وشمال، فليس لديه وقت أصلا ليتسلى ولا حل الألغاز من أولوياته.
لم يدر الدكتور نبيل على أى نحو أنهى مكالمة أخيه لكنه عندما استوعب الأمر غرق فى نوبة ضحك أدمعت عينيه. لشد ما كان يحتاج إلى تلك الشحنة الكهربائية المفاجئة ترخى مفاصله المتيبسة وتعتقه من كابوس القلق على كرسى الرئيس. لم يعد يرى فى إزاحته من منصبه «الرفيع» نهاية الكون فكم رئيس دخل مثله عالم الكلمات المتقاطعة؟! قال لنفسه إن اعتلاء الكرسى مُعطى أما تأليف كتاب فهو فعل مدبر، وإن السلطة تذهب أما التراث العلمى فلا. أخذ صاحبنا نفسا عميقا من الهواء وارتدى ثيابه على عجل، لكنه لم ينس رغم العجلة أن يتأبط مزهوا فى طريقه للعمل نسخة من جريدة الأهرام.