ليلة فى التحرير
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الإثنين 1 أكتوبر 2012 - 8:30 ص
بتوقيت القاهرة
حين قرأت نبأ عودة الخيام مجددا إلى صينية التحرير بعد أن أخلتها الداخلية اتصلت بأم زينب لأنقل لها الخبر لكنها لم ترد. أم زينب هى واحدة من تلك الفئة التى لا نتوقف أبدا عن الخطأ فى وصف كل من تنتمى إليها فنقول إنها امرأة مَعيلة بفتح الميم والصحيح أنها امرأة مُعيلة بالضمة وفى حالتنا هذه لأربعة أبناء أكبرهم زينب فى الثامنة.
من باب حفظ ماء الوجه ترد أم زينب على كل من يسألها عن غياب زوجها بالقول إنه سافر للعمل فى الخليج، كرامتها لا تطاوعها على الشكوى من زوج لا أمان له ترك الجمل بما حمل وذهب يجرب حظه مع امرأة أخرى. واعتبارا من هذا اليوم خلت البقعة الباهتة التى كانت يرقد فوقها إبراهيم، وتمتعت أم زينب مع أولادها ببضعة سنتيمترات إضافية ينامون فيها.
●●●
ترك إبراهيم لأسرته براحا فى الفرش وضيقا فى العيش، لم يكن الحال أحسن كثيرا فى وجوده نعم، فقد كان يعمل يوما و يتعطل أياما لكنه بين حين وآخر كان يناول زوجته مبلغا من المال يفرج عليها، لا هو يعلمها مصدره ولا فضولها يدفعها للاستفسار من باب لا تسألوا عن أشياء. أما وأنه ذهب فقد ساعدها أولاد الحلال لتجمع رأسمالا صغيرا تشترى به بعض قوالب الجبن الأبيض والبيض والفطير تحملهم على رأسها و تمضى فى رحلة طرق الأبواب على ساكنى أحياء الطبقة الوسطى التى تعيش على هامشها. فى واحدة من تلك الرحلات عرفت أم زينب، وكنت وسيلتها إلى معارف وأقارب آخرين فحملها ثقيل ويعجبنى فيها أن شخصيتها لا تُكسر.
عندما اندلعت ثورة يناير سببت حالة مدهشة من الإثارة العقلية لأم زينب. كانت تتابع بشغف أخبار الجدعان الذين يتناوبون الورادى فى التحرير لتأمينه من الغزاة ومشاركة المعتصمين حتى يحين الفرج. داعبَت أحلامها الأموال والوجبات الساخنة التى سمعَت أنهم يوزعونها على الناس فى التحرير، وكانت تلمع عيناها وتغور غمازتاها أكثر فأكثر وهى تقول إنها تفرح من أجلهم. بسهولة كان يمكن التقاط أنها تود اللحاق بهم لكنها لم تفعل، قلقا من التجربة ربما، خوفا على الأولاد ربما، لأنها تستكثر على نفسها أن تتذوق طعم الدجاج الشهى من دونهم ربما، أو ربما لهذا كله. مرت أيام الثورة الجميلة و تدفقت مياه كثيرة من تحت الجسور وانقطعت أم زينب عن التردد علّى، وألهتنى عنها الدنيا وما فيها. وعندما ظهرت من جديد بدت أكبر وأتعب، هدتها المشاوير وضاق خلقها من صعوبة العيش و شقاوة الأولاد و غمز الجيران فزاد حنقها على الزوج الهارب و عاد يراودها حلم التحرير، قالت أم زينب بجدية : نفد صبرى يا دكتورة، والود ودى أن أهرب من الدنيا وما فيها أرد الباب من خلفى ولا أنظر ورائى وأذهب «لأغير جو» كام يوم فى التحرير. وحين سألتها هل تكررين خطأ زوجك إبراهيم ؟ ناورت وقاومت حتى لا يتهدج صوتها وأجابت : ليوم أو يومين نعم. مسكينة أم زينب، كانت تفكر فى هذا القرار الصعب وهى لا تعرف أن التحرير لم يعد هو تحرير الثورة، لم أقو على مصارحتها فقد بدا لى الميدان كأنه نداهة يوسف إدريس التى لم تتوقف أبدا عن غواية فتحية الفلاحة البسيطة حتى خاضت التجربة فصدمتها المدينة بناسها وزيفها.
●●●
الآن وقد عادت الخيام ورجع المعتصمون أردت أن أخبر أم زينب بما جرى، وأثق فى أنها أقوى وأصلب من أن يكسرها الميدان أو تفسدها عشوائيته، هى امرأة بألف رجل. لم أصل إليها، لكن لا بد أنها سوف تعلم غدا أو بعد غد «فالمينى باظ» كما تطلق عليه وسيلة ممتازة لتناقل النميمة السياسية والشائعات المثيرة. وحين تحزم أم زينب أمرها وتشد الرحال إلى التحرير سيحير الجيران فى أمرها، يقول قائل أصابها مكروه، ويلعنها آخر، ويحن إليها ثالث، والأمر فى الحقيقة أبسط من ذلك لو يعلمون. وكم منا يعيش على حلم تحقيق أمنيات صغيرة كحلم ليلة فى التحرير.