انتخابات الرئيس السابع للجمهورية الإسلامية الإيرانية
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الخميس 2 مايو 2013 - 8:00 ص
بتوقيت القاهرة
كلما اقترب موعد إجراء الانتخابات الرئاسية الإيرانية فى 14 يونيو المقبل، زادت حدة التراشق بالتصريحات التى تعبر عن حالة الاستقطاب السياسي التي تعيشها الجمهورية الإسلامية. فثمة فريق يحذر من تزوير العملية الانتخابية، فيما ينتقد فريق آخر مجرد التفكير في هذا الاتجاه. تصدر التصريحات المذكورة عن رؤوس كبيرة فى الدولة أمثال على أكبر هاشمى رفسنجانى رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام الذى دعا لانتخابات حرة وتنافسية وشرعية تحفظ التوازن في البلاد، فرد عليه مرشد الجمهورية على خامنئى مستهجناً دعوته فى الوقت الذى نظمت فيه إيران على حد قوله 34 اقتراعاً حراً منذ نجاح الثورة.
هنا يلفت النظر أننا لسنا إزاء تصريحات وتصريحات مضادة تصدر عن معارضة فى مواجهة النظام لأن شخصاً مثل رفسنجانى يتبوأ منصباً رفيعاً على رأس واحدة من كبريات المؤسسات الرسمية للدولة. كما أن من الطريف أنه فيما يجرى التحذير من التلاعب بنزاهة الانتخابات لصالح التيار الموصوف تبسيطاً بالاعتدال، فإن تحذيراً مماثلاً يصدر عن أنصار التيار المختزل بوصف المحافظة. وكمثال انتقد وزير الاستخبارات حيدر الانحياز لتيار الفتنة فى إشارة إلى جماعة رئيس الجمهورية التى تصنف كتيار فرعى داخل المعسكر الإصلاحى أو قل إنها تقف على حدود التيار المحافظ. من الطريف أيضاً أنه فيما ينتقد المرشد مجرد التفكير فى التزوير، فإنه وبعض المحسوبين عليه يخوضون فى تحديد مواصفات الرئيس الجديد فيما يمثل إشارات توجيهية لمجلس صيانة الدستور الذى سيتولى النظر فى ملفات المرشحين رفضاً وقبولاً. قال خامنئى إن الرئيس المقبل يجب أن يكون شجاعاً ومقداماً على الصعيد الدولى وفى مواجهة الاستكبار، وأن يكون مدبراً وحكيماً وصاحب خطط وبرامج واضحة على الصعيد الداخلي. وهذا يعنى اشتراط خامنئي الاستمرار في خط التشدد في علاقات إيران الدولية، والبعد عن الشطحات السياسية التى ميزت الرئيس محمود أحمدى نجاد فى الداخل. وقال اللواء رحيم صفوى ما هو أكثر من ذلك إذ أشار إلى أن رئيس الجمهورية يجب أن يحترم نص الدستور على مسئولية قائد الثورة فى تنظيم العلاقة بين السلطات والتنسيق بينها، وأن تكون أهم مميزاته تمسكه بولاية الفقيه. وهنا فإن صفوى يغمز فى نجاد الذى لم يكف فى فترته الثانية عن محاولة توسيع نطاق صلاحياته خصماً من صلاحيات المرشد، كما أنه تزعم تيار المهدوية الذى يقول إن المهدي المنتظر قريب التجلى وبالتالى فلا حاجة لمرشد بصلاحيات دنيوية واسعة.
●●●
لكن لماذا تحظى الانتخابات الرئاسية الإيرانية المقبلة بأهمية نوعية خاصة؟ سببان، الأول يتعلق بالمخاض الإقليمى الذى تمر به منطقة الشرق الأوسط والذى تتوالى إرهاصاته يوماً بعد الآخر. فهناك تبدل التحالفات السياسية فى العراق وبدرجة أقل فى لبنان مع بدايات للحديث عن احتمال تشكيل ملاذ آمن للسنة العراقيين، وتلك هي الفكرة نفسها التي مهدت لما آل إليه الوضع فى كردستان العراق اعتباراً من عام 1991. وهناك صعود للتيار الإسلامي في مصر وتونس وليبيا، وبعض فصائل هذا التيار لها موقفها المعروف من الشيعة على نحو يحمل لا قدر الله نُذُر تفجير صراعات مذهبية فى دول لم يكن لها عهد من قبل بتلك الصراعات. وهناك الوضع السورى بالغ التعقيد وأيضاً الانفتاح على كل السيناريوهات خاصة مع التشرذم فى خريطة المعارضة بشقيها السياسى والعسكرى وارتباطات الاثنين بدول وتنظيمات ومصالح تتجاوز بكثير حدود الإقليم السورى، وجميع تلك الملفات يؤثر فيها ويتأثر بها الملف النووى الإيرانى. وهذا يفسر لنا هذا كثرة عدد المرشحين المحتملين للرئاسة ممن تتركز خبرتهم فى مجال السياسة الخارجية و/ أو فى مجال التفاوض على الملف النووى الإيرانى، فالجمهورية الإسلامية تحتاج فى هذه الظروف إلى رُبان ماهر يجمع بين القدرة على التكيف مع المستجدات الإقليمية من جهة، وبين عدم التفريط فى ثوابت السياسة الخارجية الإيرانية ومبادئ الأمن القومى ومنطلقاته من جهة أخرى. يذكر أن من بين من تم تداول أسمائهم كمرشحين فى الانتخابات الرئاسية المقبلة الداهية السياسى على أكبر ولاياتى الذى تولى مسئولية وزارة الخارجية لمدة ستة عشر عاماً، والذى يعتبر البعض أنه يمثل النسخة الإيرانية من أحمد داوود أوغلو وزير الخارجية التركي. كما أن من بينهم منوشهر متقى وزير الخارجية من عام 2005 وحتى عام2010 حين أقاله محمود أحمدى نجاد بطريقة مثيرة وغامضة أيضاً فيما كان فى مهمة رسمية خارج إيران. وهناك حسن روحاني وسعيد جليلي وعلى لاريجاني، ولثلاثتهم خبرات متفاوتة بالمفاوضات مع الغرب بخصوص الملف النووى الإيرانى. نعم الاقتصاد له أولوية فى إيران على ضوء سياسة العقوبات التى تحكم الخناق أكثر فأكثر على النظام، لكن السياسة الخارجية محدد مهم للغاية من محددات الاستثمارات الأجنبية فى قطاع النفط بالتحديد.
أما السبب الثانى فيتعلق بالتفاعلات السياسية الإيرانية الداخلية منذ عام 2009 والتى أنتجت حالة الاستقطاب التى أشرت إليها من قبل. فهناك خوف بالتأكيد من احتمال تكرار الاضطرابات التى أعقبت إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية قبل أربعة أعوام، وذلك أن وضع زعيمى الحركة الخضراء مير حسين موسوي ومهدي كروبي وزوجيهما قيد الإقامة الجبرية لم ينجح فى تقييد فكر الحركة، ومن هنا طُرحت فى البداية فكرة تأجيل الانتخابات الرئاسية إلى ما بعد موعدها المقرر، لكن هذه الفكرة التى تبناها مقربون من المرشد خامنئى سرعان ما نحيت جانباً لما لها من دلالات سياسية خطيرة، إذ لا يفوت علينا أن الاستفتاء على إلغاء النظام الملكى وإقامة الجمهورية الإسلامية تم فى يومى 30 و31 مارس 1979 أى بعد نحو شهر من عودة الإمام الخميني ونجاح الثورة الإسلامية، فكيف أن ما حدث فى مرحلة طابعها عدم الاستقرار السياسى البالغ يتعذر إنجازه بعد 34 عاماً من عمر الثورة؟
فى هذا السياق بدت الحاجة لتثبيت موعد الانتخابات، لا بل وأكد المرشد على أهمية المشاركة الانتخابية الواسعة وبحضور الإصلاحيين أنفسهم. لكن بالتوازى مع ذلك كان لا بد من تهيئة الظروف التى تسمح بإجراء الانتخابات فى سلام، ومن هنا تم اعتقال 14 صحفى فى شهر يناير الماضى ، وأغلق موقع « يازتاب» الإلكتروني وحظر موقع آخر هو «تانباك» وتمت فلترة موقع ثالث وهو «موقع التاريخ الإيرانى» . والمثير أن هذه المواقع تُحسب على معسكر المحافظين، لكن مبعث القلق منها ارتبط بما تنشره من بيانات عن سوء الأوضاع الاقتصادية. حتى إذا ما جاء شهر أبريل وبدأ العد التنازلى جرى استدعاء رؤساء تحرير الصحف اليومية إلى وزارة الاستخبارات لإبلاغهم بضوابط تغطية الانتخابات الرئاسية.
●●●
تلك الخلفية كان لابد من تحديد أبعادها قبل المضي في «المقال المقبل» إلى تحليل خريطة المرشحين المحتملين وحظوظهم في انتخابات وصفها الرئيس نجاد والمحسوبون عليه بتعبير « يحيا الربيع طويلاً «، مع أن هذا الرئيس للعجب كان ضالعاً في محاصرة الربيع الإيراني في عام 2009، وكأنه كان لابد لنجاد أن يستكمل كل فترته الثانية قبل أن يفتح نوافذ بلاده أمام نسمات الربيع.
أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة