الحكومة الملتحية

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 2 أغسطس 2012 - 9:25 ص بتوقيت القاهرة

عنوان هذا المقال مأخوذ من كتاب صدر بالمغرب فى عام 2006 تحت اسم «الحكومة الملتحية: دراسة نقدية مستقبلية»، ألفه الدكتور عبدالكبير المدغرى الذى شغل منصب وزير الأوقاف لمدة تسعة عشر عاما وله جهد فى إعداد دراسات إسلامية وفى تحقيق الكثير من عيون التراث الإسلامى. أحدث الكتاب المذكور ضجة فى حينه لأن فكرته ببساطة هى التالية: أذا أُجريت انتخابات ديمقراطية فسوف تأتى بحكومة إسلامية، لكن هذه الحكومة الأولى من نوعها «لن يكون لها من الإسلام إلا اللحية» على حد تعبيره، فهذا «أول ما سيظهر منها للعين قبل الأعمال والمنجزات». وفيما بعد ستأتى حكومة أخرى تهتم بجوهر الإسلام أكثر من مظهره، لكن المدغرى لم يربط هذا التطور بعدد معين من السنوات، مرجحا أنه لن يحدث فى عهد الحكومة الثانية أو الثالثة وذلك لكونه يتوقف على قدرة الإسلاميين على الجمع بين الدين والعلم والفكر من جهة، وفتح باب الاجتهاد للملاءمة بين الشريعة والحياة من جهة ثانية، وربط الدين بالمجتمع والنظام وفق مبادئ الديمقراطية والعدل والمساواة وحقوق الإنسان والتعاون مع شعوب العالم ودوله من جهة ثالثة، وهذا كله يحتاج إلى خبرة ومران ووقت.

 

وفيما يخص الحالة المصرية فإن اختيار الدكتور هشام قنديل رئيسا للحكومة وترشيحاته الوزارية الأولية تترك الانطباع أننا بصدد حكومة إسلامية وليس حكومة ائتلافية بالمعنى الصحيح للكلمة، وبما أنها حكومة إسلامية فمن المنطقى أن تكون فى معظمها حكومة ملتحية. أما أن تتمكن هذه الحكومة من تجاوز الشكل الإسلامى إلى مضمون المشروع الإسلامى كما قال الدكتور المدغرى فذلك أمر يتعلق بحدود فهم الدين وبقائمة الأولويات، لكن المهم أننا إزاء معيار رئيس فى تشكيل الحكومة الجديدة هو الانتماء الدينى. لكن لأن هذا المعيار يصطدم بتعهدات سابقة للدكتور محمد مرسى قبل تسلمه الحكومة، فقد جرى تغليفه بغلاف أقل حساسية وأكثر جاذبية وغموضا هو غلاف التكنوقراطية أى التخصص العملى. ولذلك فإن من بحثوا عن أسماء تحسب على الليبراليين واليساريين والقوميين فى قائمة المرشحين للحكومة ورئاستها فلم يجدوها، كان ذلك ليس لأنه بين تلك الأسماء لا يوجد تكنوقراط يصلحون لحقائب الزراعة والرى والصناعة... إلخ ولكن لأنها لأشخاص غير محسوبين على التيار الدينى. أو لأن القلة غير المحسوبة على التيار الدينى التى عُرضت عليها المشاركة فى الحكومة رفضت وكان ذلك لشعورها بأن وجودها لن يكون مؤثرا بما يسحب من رصيدها ويوهم بأن فى الأمر شراكة وطنية حقيقية.

 

فى تطور الحكومات المصرية المتعاقبة، يوجد تكنوقراط تولوا حقائب وزارية بنجاح لكن كان من خلفهم تاريخ نضالى سياسى كبير، هكذا دخل الدكتور إسماعيل صبرى عبدالله وزارة الاقتصاد، والدكتور فؤاد مرسى وزارة التموين، والدكتور حسين كامل بهاء الدين وزارة التربية والتعليم، والدكتور محمود الشريف وزارة التنمية المحلية. كل هؤلاء كانت لهم خلفيات يسارية نضالية، ومنهم من تخرج من منظمة الشباب صاحبة الفضل على كثير من عناصر النخبة الحالية بما فيها المهندس خيرت الشطر نفسه، وبالتالى فإنهم جمعوا فى عملهم بين الخبرة السياسية والصفة التكنوقراطية. كما أن هناك من الوزراء من دخل الحكومة وهو تكنوقراطى ثم تحول إلى سياسى، حدث هذا مثلا مع الدكتور عزيز صدقى الأب الحقيقى لمشروع التصنيع الثقيل والذى أكسبه احتكاكه بالرئيس عبدالناصر خبرة سياسية يعتد بها، وبدرجة أقل حدث هذا مع الدكتور ماهر مهران الذى دخل الوزارة طبيبا شهيرا للنساء والتوليد وانتهى مع ملف الأسرة والسكان إلى وزير سياسى. لكن فى المقابل كان هناك تكنوقراط دخلوا الوزارة بصفتهم هذه وخرجوا منها وخبراتهم السياسية تساوى صفر، وأبرز مثال على ذلك آخر رؤساء الوزارة قبل الثورة أى الدكتور أحمد نظيف.

 

 

التكنوقراطية إذن ليست شرا مطلقا كما أنها ليست خيرا مطلقا، لكن فى المراحل الفارقة فى تاريخ التطور السياسى للدول لا يكفى أن يكون الوزير تكنوقراطيا لأن طبيعة المرحلة تفرض الاشتباك مع قضايا خلافية، ولأن تغيير المسار يحتاج إلى رجال يؤمنون به. وكمثال، هو جيد أن يتولى حقيبة الاقتصاد خبير اقتصادى، لكن هذا الخبير سيكون مطالبا بقرارات سياسية لتنفيذ المضمون الاقتصادى لبرنامج النهضة ومن ذلك ما يتعلق بالتمويل الإسلامى. مثل تلك القرارات تتطلب تكوينا أيديولوجيا معينا لا يتوفر باليقين لكل تكنوقراطى لمجرد أنه كذلك. ومثل هذا التحليل يصلح للحديث عن حقائب التعليم والإعلام والثقافة...... إلخ حيث يستحيل الفصل بين المهنية وبين التوجه السياسى، ولهذا أقول إن معيار التكنوقراطية المعلن فى تشكيل الحكومة يخفى وراءه معيار الإنتماء للتيار الإسلامى تنظيما أو فكرا أو الاثنين معا، ولو لم يكن ذلك كذلك ما وجدنا كيميائيا يُرشح لوزارة الأوقاف رغم المحاذير العديدة على ترشيحه وأهمها عدم التخصص فضلا عن عدم شعبيته فى دائرته نفسها، وما صادفنا مرشحا لوزارة الشباب كل علاقته بالشباب الشهور الستة التى قضاها فى مجلس الشعب رئيسا للجنة الشباب فضلا عن أنه بدوره موضع تحفظ من كثير من القوى الثورية، وما واجهنا بالونة اختبار لترشيح طبيب من قيادات الإخوان لمنصب وزير الخارجية، وما كانت علاقات الزمالة الجامعية والعمل المشترك مع الرئيس أو رئيس الوزارة لتفرز أسماء لا علم لأحد بها لوزارت خدمية شتى.

 

أندهش من نقد «الجبهة الوطنية لحماية الثورة» لخروج الرئيس مرسى على التزامه بتشكيل حكومة ائتلافية ترأسها شخصية وطنية مستقلة بعد حوار وطنى واسع وتمثل فيها مختُلف القوى السياسية، فهذا فوق ما يطيقه الرئيس وجماعته ولنا فى تشكيل لجان مجلس الشعب المنحل خير دليل، وذلك طبعا بغض النظر عن أن هذه الجبهة تحتكر لنفسها مهمة حماية أحداث الثورة والرقابة المستمرة على أعمال رئيس الدولة، وكأنها ضمير الأمة بغير تفويض أو برلمان لم ينتخبه أحد.

 

حين يُنشر هذا المقال ستكون الوزارة الجديدة قد تشكلت أو هكذا نرجو، وسوف يُرفع منها اسم أو اثنين أو ثلاثة من المحسوبين على التيار الإسلامى سرا وعلانية ويضاف إليها بدلاء لهم، لكن الصورة العامة لن تتغير: حكومة إسلامية ملتحية، فدعونا نقرأ كتاب عبدالكبير المدغرى ونضع خلاصته تحت المجهر وننتظر لنرى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved