وحدة جبهة الإنقاذ ليست مجرد خيار
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الخميس 3 يناير 2013 - 9:10 ص
بتوقيت القاهرة
كنت فى بيروت قبل أيام قليلة من الجولة الأولى للاستفتاء على الدستور حين التقيت عددا من الشخصيات العربية من المشرق والمغرب كان اهتمامها بما يجرى فى مصر يماثل اهتمامى ولا أبالغ إن قلت كان يزيد. فى كل المرات التى تطرق فيها الحديث للوضع الداخلى فى مصر كان السؤال هو: إلى ماذا انتهى موقف جبهة الإنقاذ حيال الاستفتاء على الدستور؟ أو كيف ستتصرف جبهة الإنقاذ إن جاءت النتيجة (نعم) ؟ أو هل وحدة جبهة الإنقاذ خطوة تكتيكية جاءت ضد الدستور أم تعبر عن رؤية استراتيجية تتعلق ببناء نظام سياسى ديمقراطي؟...
اختلفت صيغة السؤال لكن القاسم المشترك كان هو أن ثمة طرفا يعتبره محيطنا العربى فاعلا جديدا على الساحة السياسية المصرية، وينظر له هذا المحيط بترقب وأحيانا بأمل كما فى حالة مفكرى المغرب العربى تحديدا وتونس بشكل أكثر دقة. أتردد كثيرا على بيروت، وفى سفراتى الأخيرة كانت مصر دائما بين استفتاء وانتخاب، لكن لا أظن أنى سمعت سؤالا يتعلق بماذا سيفعل الطرف السياسى (أ) أو (ب) من غير المحسوبين على التيار الإسلامى. وأتصور أن السبب كان هو كثرة تلك الأطراف وتشرذمها على نحو لا يجعل لأى منها تأثيرا وازنا فى مسار الأحداث والتطورات. الآن يوجد شئ جديد أتمنى من كل قلبى أن نحافظ ليس فقط على جدته لكن الأهم على جديته.
•••
تختلف جبهة الإنقاذ الوطنى عن كل الائتلافات التى شهدتها مصر على مدار العامين الأخيرين، وأبرزها كان التحالف الديمقراطى الذى بلغ ذروته بجمعه نحو 47 حزبا وتيارا سياسيا وانتهى إلى بضعة أحزاب لا يزيد عددها على عدد أصابع اليد الواحدة. كانت آمال كثيرين قد عُلِقت على التحالف الديمقراطى خاصة عندما وضع وثيقته التى بدت كما لو كانت مسودة دستور صغير فى وقت احتدم فيه الصراع حول المبادئ الدستورية الحاكمة. لكن الحقيقة أن هذا التحالف كان يحمل فى طياته بذور فنائه، ليس فقط بحكم الاختلاف الأيديولوجى الشديد بين الاتجاهات السلفية مثلا وتلك الليبرالية أو اليسارية، ولا لأن بعض الأطراف كانت تعطل تحالفها خصومة تاريخية طويلة كما بين الإخوان والناصريين. لكن الأهم لأن العامل الوحيد الذى اضطر هذه الأطراف كافة للجلوس معا وهو عامل المصلحة الانتخابية لم يكن من الممكن تحقيقه فى ظل الخلل الشديد فى توازن القوة بين جماعة عمرها 80 عاما وبين أحزاب جديدة ناشئة أو حتى أحزاب لها وجود تاريخى ممتد لكنها أُضعِفت قبل الثورة بسبب الانفراد بالسلطة وبعدها بدعوى مجافاتها للدين كما حدث فى غزوة الصناديق. لذلك انفرط عقد التحالف، وكان حزب الوفد أول الخارجين وأكبرهم، ثم توالى الانفراط.
جبهة الإنقاذ الوطنى تختلف عما سبق لكون التوازن النسبى قائم بين تكتلاتها: الوفد، الدستور، التيار الشعبى، الحزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى، المصريين الأحرار، التحالف الاشتراكى، مصر الحرية. كما أن منسقها العام هو الدكتور محمد البرادعى الذى ألقت عودته إلى مصر قبل أعوام حجرا ثقيلا حرك المياه السياسية المصرية، ومن قياداتها المرشح الرئاسى حمدين صباحى الذى صوت له نحو 5 مليون ناخب مصرى فى جولة الانتخابات الرئاسية الأولى. وثمة قواسم مشتركة كثيرة بين عناصر الجبهة أبرزها الحفاظ على الشخصية المصرية والمقومات الأساسية للدولة الوطنية. ولعل نقاط القوة السابقة تفسر الحملة المسعورة التى تتعرض لها الجبهة إلى الحد الذى يجرى فيه الخلط بين ممارستها المعارضة السياسية وبين وصفها بالتخريب والتدمير، أو بين رفضها للمنتج الدستورى المشوه وبين اعتبارها منكرة للديمقراطية ومستخفة بالإرادة الشعبية، بل لقد وصل الأمر إلى حد اتهام رموزها بالخيانة العظمى فى سابقة تكشف عن مستقبل الصوت المعارض فى ظل الحكم الدينى الراهن.
•••
التصدى لمحاولات اختراق الجبهة وتفكيكها له عدة متطلبات، أولا إدراكها أن مهمتها ليست مجرد خوض الانتخابات التشريعية المقبلة بقائمة موحدة، فهذه الخطوة رغم صعوبتها لكنها خطوة أولى، أما المعركة الحقيقية فسوف تدار فى داخل مجلس النواب الذى تنتظره حزمة كبيرة من التشريعات إنفاذا للدستور الجديد. ومعنى هذا أن نضالها السياسى مستمر، وأن دواعى عملها المشترك تتجاوز التنسيق الانتخابى إلى التكتل فى داخل البرلمان وعبر الضغط الجماهيرى خارجه. يحتاج تفعيل الجبهة ثانيا وانطلاقا من النقطة السابقة إلى إدارة تعددية الآراء فى إطار من الوحدة، فالجبهة ككيان ديمقراطى لا تأخذ بمبدأ السمع والطاعة، وبالتالى فإن الاختلاف فى المواقف اختلاف صحى ومظهر من مظاهر الديمقراطية، لكن الذى يحول بين هذا التعدد وبين قصم ظهر الجبهة هو الإسراع فى وضع الإطار المؤسسى الذى يضمن توفير قنوات للتعامل مع التعددية وضبطها بالموقف المشترك للجبهة. وهناك ثالثا ضرورة مد الجبهة جسور التواصل مع القوى السياسية التى تحتفظ بمسافة عن أحزاب السلطة وأعنى بها أساسا حزب مصر القوية وحزب مصر المستقبل، وقد أثبتت الأحداث أن ثمة قواسم مشتركة بين مواقف الجبهة ومواقف تلك القوى خاصة فيما يتعلق بتشكيل الجمعية التأسيسية ومضمون الدستور الجديد. ثم أن الجبهة تحتاج إلى إدارة ذكية لقضية العلاقة مع الفلول، إدارة تكشف عن انتهازية السلطة الحاكمة التى لا تستحى من الاستعانة بالفلول وفى الوقت نفسه تضع فى صلب الدستور مادة لعزلهم سياسيا، وكأن للفلول محتوى مصلحى هو الذى يتحكم فى إدماجهم فى النظام أو فى عزلهم عنه. تلك النقطة بالغة الأهمية لأنها تتُخذ منفذا لمحاولة الهجوم على الجبهة فيما السلطة غارقة حتى أذنيها فى استرضاء الفلول.
وفى التفاصيل، أعتبر أن انشغال الجبهة بقضية تشكيل الحكومة مضيعة للوقت، فلا الحكومة ولا مساعدى الرئيس أو مستشاريه لهم دور فاعل ما استمرت الصيغة السياسية الحالية لازدواجية الحزب/الجماعة. فلننفض أيدينا من شأن الحكومة وتشكيلها وننتبه إلى ما هو أهم خاصة مع النقد الموجه للجبهة ببطء التفاعل مع تطور الأحداث. والأهم فى هذا التوقيت هو الاشتغال على قانون الانتخابات التشريعية بما يراعى تنقية الجداول الانتخابية، ويضيق من دوائر الثلث الفردى المتسعة والتى يختل فيها التوازن لصالح التنظيم، ويسمح للناخب بتحديد دائرته الانتخابية دون التزام بمحل إقامته، ويفتح القوائم النسبية ولا يغلقها بما يسمح للناخب باختيار أوسع.
•••
إن نشأة جبهة الإنقاذ الوطنى خطوة بالغة الأهمية بحد ذاتها، أما قدرتها على مواجهة التحديات الجسام والتربص الشديد بها فلها متطلبات أخرى لا تتوفر كمعطاة.