التجربة التونسية

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 3 نوفمبر 2011 - 9:35 ص بتوقيت القاهرة

فى أعقاب توقيع معاهدة السلام المصرية ــ الإسرائيلية وما تلاها من تجميد عضوية مصر فى مؤسسات العمل العربى المشترك ونقل مقر الجامعة العربية إلى تونس، ارتفعت أصوات تقول إنه آن لشمس العروبة أن تشرق من المغرب. وعندما أجريت انتخابات المجلس التأسيسى التونسى بسلاسة وجه جيرسى بوزيك رئيس البرلمان الأوروبى خطابه إلى شعب تونس قائلا: «أنتم الآن فى القيادة من أجل التغيير إلى الديمقراطية فى العالم العربى» فهل يحق لنا أن نكرر وراء بوزيك أن شمس الديمقراطية آن لها أن تشرق من المغرب ؟ السؤال تحيط به آمال وتحفه محاذير.

 

●●●

 

أما الآمال فمبعثها أن الحالة الإسلامية التونسية تتميز بدرجة من البساطة لا تتوفر لحالات أخرى شديدة التعقيد والعشوائية أيضا كما فى مصر وليبيا واليمن، بحيث يمكن القول إن كل من كان مؤيدا للمشروع الإسلامى فى تونس أعطى صوته لحزب النهضة، وهذا مهم لأنه يسد الباب على المزايدات السياسية باسم الدين بين حاملى المشروع الإسلامى، ولا يسمح بأن يشاد الدين أحد طمعا فى كرسى النائب أو الرئيس. ثم أن الاستقطاب الدينى/ المدنى فى تونس لم يبلغ أبدا حدته التى هو عليها فى مصر بل على العكس فإن كل تصريحات قادة النهضة بعد الفوز الانتخابى تؤكد على معنى الشراكة فى بناء النظام السياسى كما كانت هناك شراكة فى النضال ضد زين العابدين بن على. وتلك أيضا نقطة مهمة لأن الإقرار بالنضال التاريخى المشترك يمنع تفاضل الإسلاميين على غيرهم بدعوى أنهم دفعوا ثمنا أكبر فى ظل النظام السابق. فلا متابع للشأن التونسى ينكر الثمن الباهظ الذى دفعه المناضل الحقوقى منصف المرزوقى عندما فكر لأول مرة فى منافسة زين العابدين على رئاسة الجمهورية فكان أن تم التنكيل به وصودر جواز سفره.

 

لكن الأهم أن ما ينعش الآمال فى أن تقدم لنا تونس أول تجربة ديمقراطية تتفتح داخل بستان الربيع العربى، إنما هى شخصية راشد الغنوشى نفسه.إنه المفكر السياسى الذى لم يخلع عباءة الفكر طوال مشواره النضالى، فهو صاحب مشروع تختلف معه أو تتفق كما هى مشاريع محمد خاتمى فى إيران وعباسى مدنى فى الجزائر. ولأنه صاحب مشروع فإنه لا يدخل فى معارك كلامية هى من شأن المحدثين فى العمل السياسى والمشتاقين للشهرة أو مدمنيها. 

 

●●●

 

فى عام 1993 نشر الغنوشى كتابه « الحريات العامة فى الدولة الإسلامية» بعد أن أنفق فى بلورة أفكاره قرابة إثنتى عشر عاما، وجاء نشر الكتاب عن طريق مركز دراسات الوحدة العربية بتوجهه القومى المعروف، وهذا مؤشر على انفتاح الغنوشى على التيار القومى وإيمانه بقضية الوحدة العربية. ولذلك لم أستغرب أن يضع الرجل بعد فوزه قضية التعريب على رأس أولوياته. الكبار يثيرون القضايا الكبرى، والصغار يشغلهم لباس البحر.

 

فى كتاب الغنوشى يمكن التوقف عند نقطتين لا يقوم نظام ديمقراطى من دونهما : التعددية السياسية وحقوق المرأة. دافع الغنوشى عن حق كل الأحزاب فى الوجود والعمل السياسى، وانتقد رغم خلفيته الإخوانية وثيقة صدرت عن مركز الدراسات الإسلامية الذى كان يديره الإخوانى محمود عاكف لأنها ترفض استيعاب الشيوعيبن والعلمانيين. وطرح ملاحظة وجيهة تتعلق بالتزام إخوان مصر بقوانين الانتحابات والنقابات وهو ما يعنى قبولهم ضمنيا بالعمل مع الشيوعيين والعلمانيين. وناقش احتمال ألا تحظى الحركة الإسلامية بالأغلبية المطلقة واضطرارها بالتالى للتنسيق مع غير الإسلاميين. واستعرض وضع الأقليات المسلمة فى المجتمعات غير الإسلامية وما يفرضه عليها ذلك من التفاعل مع مختلف أشكال الطيف السياسى. أما أكثر ما أعجبنى فى دفاعه عن التعددية فهو الجانب الأخلاقى الذى تجلى فى استهجانه تعاون الإسلاميين مع العلمانيين ضد الحاكم المستبد، ثم انقلابهم على رفقاء السلاح بعد أن يحصلوا على الأغلبية البرلمانية. اعتبرت هذا الموقف رسالة شديدة اللهجة موجهة للداخل المصرى بعد ثورة يناير.

 

النقطة الأخرى شديدة الوضوح فى كتاب الغنوشى تتعلق بموقفه من المرأة، وهو موقف بالغ التقدم قياسا على أكثر الاجتهادات الإسلامية انفتاحا. أخذ الغنوشى العجب على حد قوله من رأى أبى الأعلى المودودى الذى يتذرع بالنص القرآنى» الرجال قوامون على النساء» ليحرم المرأة من رئاسة الدولة والوزارة وعضوية الشورى والإدارة الحكومية. أخذه العجب لأن فى تاريخ النساء فى الإسلام شخصيات مثل السيدة عائشة أم المؤمنين، وغزالة أم شبيب التى تولت الإمامة، وأروى الصليحية التى حكمت اليمن. وهكذا فإن الحد الأدنى للدور السياسى للمرأة عند الغنوشى هو مشاركتها فى مختلف الوظائف بما فيها القضاء الذى هو أصلا من شروط الإمامة، أما الحد الأقصى فإنه يتركه مفتوحا على لحظات الإنارة فى التاريخ الإسلامى. ولذلك عندما تقدمت قائمة حركة النهضة بعدد ضخم من النساء فازت منهن اثنتان وأربعون مرشحة بما يقل قليلا عن نصف عدد المقاعد التى حصدتها اللائحة ككل، فإنها كانت تنطلق من منطلقات الغنوشى نفسها فى نظرته للمرأة، وفى تفسيره مسألة القوامة على أنها مربوطة بنطاق الأسرة.

 

●●●

 

لكن لأن الغنوشى كان يتحدث عن دولة «إسلامية» قاده ذلك إلى التمييز بين المواطنين على أساس الدين فيما يتصل بالمواقع القيادية وبالذات رئاسة الدولة، على أساس أن الرئيس فى الدولة الإسلامية يقوم بأعباء دينية معينة. وهذا التمييز مرفوض فى الدولة القائمة على أساس المواطنة، وهو يجسد جوهر إشكالية التيارات الإسلامية التى تُردد أن الإسلام لا يعرف الدولة الدينية وعندما تأتى للحديث عن رئاسة الدولة تجعل لصاحبها وظيفة دينية وتتخذ الدين موجبا للتمييز بين المواطنين. فى السياق نفسه أرفض دفاع الغنوشى عن هذا التمييز بالقول إن رئيس الدولة يجب أن يؤمن بالإسلام كما يؤمن رئيس الدولة بالجمهورية فى النظام الجمهورى. فالمؤكد أن هذا غير ذاك، فالمسلم وغير المسلم قد يؤمنان بالنظام الجمهورى لكن لكل منهما معتقداته الدينية المختلفة. أعتبر أيضا أن المقارنة بين وضع غير المسلمين فى المجتمعات الإسلامية ووضع المسلمين فى المجتمعات المسيحية الغربية، قياس لا يجوز. وأدلل على ذلك بقول الغنوشى نفسه نقلا عن د. محمد سليم العوا إن المواطنة الحالية تكونت بالاشتراك فى معارك التحرر من المستعمر وليس بالفتح أو الغزو.

 

ومن هنا يبدأ أحد المحاذير التى تحيط بمشروع حركة النهضة، وأقصد رؤية الحركة لقضية غير المسلمين. وعندما أقول مشروع حركة النهضة لا أعنى ذلك المشروع فى تطبيقه التونسى، ففى تونس لا يوجد غير مسلمين باستثناء قلة من اليهود. لكنى أعنى المشروع فى تطبيقه العربى حيث النسيج الاجتماعى أكثر تنوعا، وحيث تنزيل مقولات هذا المشروع على أرض الواقع يكشف عن تناقضات، إذ كيف يدافع الغنوشى عن المواطنة الكاملة للمرأة ويقبل بالمواطنة المنقوصة لغير المسلمين ؟ إن هذا بعض أثر الارتباك بين محاولة الانفتاح على الديمقراطية والدفاع عن الأساس الدينى للدولة وبدون تحقيق الاتساق بين مكونات المشروع الفكرى للنهضة سيظل القلق من حكمها واردا.

 

من المحاذير الأخرى التى تواجهها الحركة احتمالات استدراجها للعنف والصدام مع المجتمع. تلك المحاولات قد تنبع من كوادر الحركة وقواعدها التى اكتوت بنار بن على فيما كان راشد الغنوشى خارج الوطن. ولا ننسى واقعة تعدى بعض أعضاء الحركة فى مطلع التسعينيات على مقر الحزب الحاكم فى باب السويقة ،والتى اعتذر الغنوشى عنها مؤخرا. كذلك فإن محاولات جر الحركة للعنف قد تنبع من خارجها سواء من محسوبين على النظام السابق أو غيرهم. وقد شهدت مدينة سيدى بوزيد، مهد الثورة التونسية، تجربة للصدام مع حركة النهضة، عندما تعدى أكثر من ألف شخص على مقر الحركة ومقر الولاية، وامتدت المظاهرات إلى مدينة الرقاب، وُرفعت شعارات من نوع « النهضة والإخوان عملاء الأمريكان «، كما جرى اتهام النهضة بالحصول على تمويل من قطر. سبب المواجهات هو إلغاء ست قوائم للعريضة الشعبية التى يترأسها الهاشمى الحامدى المولود فى سيدى بوزيد، واستبعاده من مداولات تشكيل الحكومة تشكيل الحكومة بسبب علاقته بالنظام السابق. هذا رغم أن الحامدى كان عضوا قياديا فى حركة النهضة وانفصل عنها فى نهاية التسعينيات.

 

●●●

 

قلوبنا مع التجربة التونسية ونتمنى نجاحها، فليتها تبنى على الآمال المعقودة عليها وتتنبه للمحاذير التى تحيط بها، وليتها تؤشر لكل التيارات الإسلامية إلى طريق المستقبل وتأخذ بيدها من أجل البناء عوضا عن أن تتحول تلك الحركات إلى أشواك على طريق التحول إلى الديمقراطية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved