المجتمع العلمى بين القرن الماضى والقرن الحالى
محمد زهران
آخر تحديث:
الجمعة 4 أبريل 2025 - 6:51 م
بتوقيت القاهرة
كاتب هذه السطور عاصر الحياة الأكاديمية كطالب فى مصر ثم أمريكا فى نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين، ثم كأستاذ جامعى منذ العقد الأول من القرن الواحد والعشرين وحتى الآن. مقال اليوم يناقش التغييرات التى حدثت فى الوسط الأكاديمى العلمى ما بين القرنين العشرين والذى يليه. الاختلافات والتطورات التى سنناقشها جاءت من ملاحظاتى الشخصية وقراءاتى وحديثى مع الكثيرين فى المجتمع الأكاديمى سواء داخل مصر أو خارجها.
عنوان المقال يتحدث عن المجتمع العلمى وسنركز على الوسط الأكاديمى فى الجامعات ومراكز الأبحاث لأنها الأماكن التى من المفترض أن يزدهر فيها البحث العلمى فى أنقى صوره، على العكس من البحث العلمى فى الشركات والتى تكون محكومة باقتصاديات السوق واستراتيجية الشركة، لكن كما سنرى تأتى الرياح بما لم تشته السفن.
عنوان المقال يتحدث عن القرن الحالى والماضى فقط لأن قبل ذلك كانت وتيرة التقدم العلمى أبطأ كثيرا والمجتمع العلمى الأكاديمى مختلفا عما نألفه اليوم، وبالتالى من الأفضل مقارنة ما نحن فيه الآن مما كان الوضع عليه فى الفترة السابقة علينا.
...
الفارق الأول هو السرعة، هناك تسارع شديد فى البحث العلمى، أو للدقة نقول تسارع شديد للنشر العلمى للحصول على الترقية فى الجامعة خاصة أن فى دولة مثل أمريكا إذا لم يتم ترقيتك قد يتم الاستغناء عنك وهو ما يسمى بنظام التثبيت (وهى ترجمة غير حرفية لكلمة tenure). عدد الوظائف الأكاديمية قليلة بالنسبة لدول مثل أمريكا وكندا وأغلب دول أوروبا، وهو نظام مختلف عما نحن عليه فى الجامعات الحكومية فى مصر حيث يتم تعيين عضو هيئة التدريس من أوائل الدفعة أى المعيدين. الجامعات الخاصة أو الأهلية تحاكى الجامعات الأمريكية فى موضوع التعيين من خارج الجامعة لكن لا يوجد عندنا نظام التثبيت إلا فى الجامعات الحكومية. تقييم الأساتذة سواء للترقية أو التجديد يقوم أساسا على النشر العلمى أولا والحصول على التمويل للأبحاث ثانيا؛ لأن الجامعة تأخذ نسبة ليست بالقليلة من تمويل الأبحاث، يحدث هذا فى الداخل والخارج. لذلك فالباحثون الآن يحاولون النشر سريعا بعكس القرن الماضى. لكن المنافسة على المنصب الأكاديمى وحده لا يفسر كل شىء، وهذا يقودنا للفارق الثانى.
...
الفارق الثانى هو وجود الفرق البحثية، الباحثون فى الماضى كانوا يعملون منفردين أو كباحث يشرف على طلاب الرسائل العلمية، أما الآن فهناك مجموعات بحثية ضخمة خاصة فى العلوم التطبيقية، وجود الباحث وسط مجموعة بحثية كبيرة يزيد من عدد الأبحاث التى ينشرها بالتأكيد ويشجع على التعاون خاصة وأن العلم الآن أصبح أكثر تعقيدا بكثير مما كان عليه فى القرن الماضى. التنافس ما زال موجودا بين أعضاء المجموعة البحثية الواحدة وللأسف هناك الكثير من المجموعات البحثية يكون التنافس فيها أشبه بالحرب، ناهيك عن التنافس بين المجموعات البحثية وبعضها. المنافسة بين المجموعات البحثية يكون فى سرعة النشر وعدد الأبحاث المنشورة والحصول على التمويل.
بخصوص التمويل فإن كاتب هذه السطور قد شارك فى عدة لجان لتقييم طلبات تمويل البحث العلمى سواء فى الداخل أو الخارج. فى دول مثل أمريكا فإن عدد الباحثين والمجموعات البحثية كبير جدا مقارنة بالدول الأخرى، مما يجعل الحصول على التمويل أصعب بكثير بنسبة قبول تقل عن العشرة بالمائة فى الكثير من الأحيان.
هناك أصدقاء من الباحثين فى أوروبا وكندا يقولون لى إن الحال أفضل بكثير هناك لأن المنافسة أقل لأن عدد الباحثين أقل، قد يكون ذلك بسبب عدد السكان أو بسبب إقبال طلاب الدراسات العليا فى الماضى على السفر لأمريكا. على العموم أعتقد أن الحال بدأ يتغير الآن مع ازدياد اتجاه طلاب البحث العلمى إلى أوروبا، وأستراليا، وسنغافورة، واليابان.
...
الفارق الثالث هو التقدم التكنولوجى، لقد حدث تقدم هائل منذ النصف الأول من القرن الواحد والعشرين فى وسائل الاتصالات وفى قوة أجهزة الكمبيوتر. هذان العاملان فقط يؤثران على أغلب إن لم يكن كل المجالات البحثية، الآن أصبح من السهل الوصول للأبحاث العلمية المنشورة، ومن السهل كتابة البحث ومراجعته لغويا، ومن السهل القيام بتشغيل برمجيات المحاكاة المستخدمة فى أغلب التخصصات العلمية (رجاء مراجعة مقال «نظم المحاكاة: هل تنقذ العالم؟» المنشور بتاريخ 17 نوفمبر 2023). هذا سرع من عملية البحث العلمى.
...
الفارق الرابع هو طبيعة وشخصية طلبة الدراسات العليا الآن مقارنة بالماضى، الجيل الحالى نشأ وترعرع فى كنف الانترنت والتابلت وأجهزة الكمبيوتر السريعة، وأيضا يعيش فى عصر المنافسة الشديدة فى عصر رأسمالى شديد القسوة، وبالتالى يمتلك هذا الجيل طموحا ماديا كبيرا. كل هذا أدى إلى جيل يتنافس بقسوة.
فى المؤتمرات الكبرى فى تخصصى كثيرا ما نقوم بعمل اجتماع بين باحث مخضرم وآخر فى بداية الطريق. تستغرق هذه الجلسة من نصف ساعة إلى ساعة يجيب الباحث المخضرم عن التساؤلات التى يطرحها الباحث الشاب ويعطيه من تجربته. للأسف لم تكن هذه الفرصة موجودة عندما كنت طالبا فى الدراسات العليا. ما وجدته عندما جلست مع عدد من الباحثين الشباب كل على حدة فى السنين الخمسة الأخيرة هو أن الطالب بدأ ينشر أبحاثا علمية منذ مرحلة البكالوريوس، أى قبل حتى الماجستير أو الدكتوراه، والأبحاث منشورة فى مؤتمرات ومجلات معتبرة وهذا لم يكن بحال من الأحوال حالنا عندما كنا طلابا سواء فى الداخل أو فى الخارج. هذا معناه أن فى عصرنا أصبح الطالب الذى يريد أن يبدأ طريقه البحثى عليه أن ينخرط فى البحث العلمى منذ مرحلة مبكرة مع مجموعة بحثية فى جامعته، أو حتى فى جامعة أخرى نظرا لتقدم وسائل الاتصال.
حيث إننا نتكلم عن النشر فيجب أن نتطرق للمؤتمرات والمجلات العلمية.
...
الفارق الخامس متعلق بالمجلات والمؤتمرات العلمية، حيث إن النشر العلمى أصبح أكثر شراسة لوجود عدد كبير جدا من الباحثين يريدون النشر وبسرعة، والمؤتمرات والمجلات الموجودة لا تتسع لكل تلك الأبحاث خاصة أن التحكيم يتطلب جهدًا ووقتا، وحيث إن النشر فى الأغلب ليس مجانيا بل بمصروفات، فإن إنشاء مجلة علمية أو تنظيم مؤتمر يعتبر عملية تجارية رابحة فى عصرنا هذا. أدى ذلك إلى ظهور الكثير من المجلات والمؤتمرات التى تجعل الباحث يدفع مبلغا باهظا من أجل نشر بحثه، وطبعا تحكيم الأبحاث هناك يكون ضعيفا. الكثير من الجامعات حول العالم لا تدقق فى اسم المجلة أو المؤتمر مما أدى إلى تفشى هذه الظاهرة التى لم تكن موجودة بتلك الكثرة فى القرن الماضى. أصبحت الآن تجد شخصا له مئات من الأبحاث أغلبها أو كلها منشورة فى تلك المؤتمرات أو المجلات «الصورية».
...
الفارق السادس هو أن أغلب الجامعات أصبحت أقرب إلى الشركات، الجامعات فى العالم كله أصبحت تتنافس فى اجتذاب الطلاب، عدد أكبر من الطلاب معناه دخل أكبر للجامعة. إذا نظرنا إلى أغلب إعلانات تلك الجامعات ستجدها عن الملاعب الرياضية والحفلات والمطاعم أكثر منها عن المعامل والتدريس والبحث العلمى. أدى ذلك إلى أن عدد الجامعات التى تقوم ببحث علمى معتبر قليل وبالتالى زادت المنافسة لدخولها. أما باقى الجامعات فإما تعتمد فقط على التدريس وتعطى درجات عالية على حساب الجودة، أو بها بحث علمى ضعيف ويكون النشر فى تلك المجلات أو المؤتمرات «الصورية» التى تكلمنا عنها. عندما تتحول الجامعة إلى وسيلة للربح يأتى ذلك على حساب التعليم والبحث العلمي.
...
أما بعد فهناك بعض الخطوات التى تساعد على بناء مجتمع علمى قوى، بعض هذه النقاط قد تبدو وكأنها «كلام شكله حلو» لا يمكن تحقيقه على أرض الواقع، لكن إذا تفكرنا فى الأمر بروية سنجد أننا نستطيع بناء مجتمع علمى قوى إذا وضعنا أمامنا هدفا واحدا: استخدام العلم لحل مشكلات على الأرض ولا شىء آخر على الأقل فى المدى القريب، ثم نبدأ فى الاهتمام بالقوة العلمية الناعمة مثل تصنيف الجامعات فى المدى المتوسط.
• الخطوة الأولى هى استقطاب العقول، أمريكا قوتها التكنولوجية مستمدة فقط من تلك الخطوة. قد يقول قائل وكيف نفعل ذلك دون قوة ناعمة؟ الباحثون يسافرون إلى أمريكا سعيا وراء المجد العلمى والمادى والحلم الأمريكى الذى هو من قبيل القوة الناعمة. لا نحتاج الآن لاستقطاب العقول من جميع أنحاء العالم لكن نحتاج اكتشاف الباحثين الموهوبين عندنا من جميع المحافظات عن طريق المسابقات وما شابه، ثم استقطابهم للبحث العلمى منذ سن صغيرة وتدريبهم على العمل الجماعى بهدف مساعدة البلد فى التقدم عن طريق حل المشكلات على الأرض ودون التفكير فى الجوائز. تكلمنا فى مقالات سابقة عن خطورة بداية البحث العلمى وفى العقل فكرة الحصول على جائزة.
• الخطوة الثانية هى التشجيع على التعاون وليس التنافس، هذا يحتاج معرفة قدرات كل باحث ووضعه على الطريق الصحيح لعمله. لكل باحث شخصية ولكل مشكلة بحثية شخصية أيضا، والمشكلات البحثية مترابطة، إذا التكامل يقود إلى نتائج مبهرة.
• الخطوة الثالثة هى العمل على المشكلات البحثية التى تحل مشكلات عندنا وليس المهم المشكلات البحثية التى تفوز بجوائز.
بناء مجتمع علمى صحى فى يدنا وليس فى يد غيرنا، وعندنا من المواهب ما يكفل ذلك.