فى انتظار (أبو الحسن بنى صدر) المصرى

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 4 أغسطس 2011 - 9:10 ص بتوقيت القاهرة

 عندما ذكر على خامنئى فى فبراير الماضى «إن المصريين استلهموا ثورتهم من روح الثورة الإسلامية الإيرانية» فإنه أغضب كل المصريين. قلنا له ورؤوسنا مرفوعة إن ثورتنا ثورة مصرية خالصة قادها الشباب وشارك فيها الكل، ليس لها إمام ولا لون سياسى واحد. اليوم وبعد نحو ستة أشهر على تصريح خامنئى أملك شجاعة الاعتراف أن الرجل كان أبصر منا بشؤون ثورتنا.

عدت لرسالتّى الماجستير لكل من د. باكينام الشرقاوى د. وأمل حمادة عن الثورة الإيرانية فانقبض قلبى. فمن يقرأ الرسالتين ينتهى إلى أننا نسير على طريق إيران، هذا طبعا مع اختلاف التفاصيل بحكم اختلاف المذهب وكذلك دور الجيش.

• • •

وجدتُ فى استفتاء مارس 1979 فى إيران تشابها كبيرا مع استفتاء مارس 2011 فى مصر، ففى الأول طرح على الإيرانيين سؤال: هل توافقون على أن تصبح إيران جمهورية إسلامية أم لا؟ فأجاب بنعم 92.8%. وفى الثانى طُرح على المصريين سؤالان أحدهما معلن هو: هل توافقون على التعديلات الدستورية؟ والآخر مخفى هو: هل توافقون على بقاء المادة الثانية فى الدستور وعلى الاستقرار أم لا؟ فأجاب 77.2% منا بنعم.

وجُدت أن تخلص الخمينى من كل القوى السياسية الشريكة فى الثورة بدءا بالليبراليين فى 1980 ثم باليساريين 1981 يقترب من تحريض المصريين البسطاء ضد الليبراليين واليساريين والقوميين بحسبانهم كفارا، وبالتالى التحضير «لتطهير» المشهد المصرى برمته وليس فقط ميدان التحرير منهم. هذا مع العلم بأننا عندما نتكلم عن القوى غير الإسلامية التى أقصاها الخمينى تباعا ليخلو الجو لحزب الجمهورية الإسلامية فإننا نتحدث عن جماعات قوية مارست الكفاح المسلح مثل حزب تودة الشيوعى وعن احتجاج سلمى مشرف مارسته الجبهة الوطنية الليبرالية منذ أيام مصدق. أما فى مصر فنحن نعرف حال أحزاب ما قبل الثورة التى تحولت لمغازلة التيار الدينى بعدها، كما نعرف أن الحركات الاحتجاجية حديثة النشأة وحركات الشباب منقسمة على نفسها. اقرأوا معى وصف الخمينى الأحزاب السياسية شريكته فى النضال الذى أداره من باريس بعد أن تكلل بالنجاح «إن الأحزاب السياسية سُم قاتل وزعماؤها ما هم إلا جنود الشيطان»، وقارنوا.

وضع الدستور الإيرانى مجلس خبراء «منتخب» خاطبه الخمينى فى جلسة الافتتاح قائلا إن الدستور يجب أن يكون إسلاميا 100% وإن «فقط الزعماء الدينيون الموجودون بينكم هم المؤهلون لتقرير ما هو إسلامى وما هو معادٍ للإسلام أما الآخرون فيجب أن يمتنعوا عن التدخل» وفعلا صدر الدستور وجاء إسلاميا فى نظر خبراء المجلس وأسس للديكتاتورية الدينية، حتى إذا ما جرى انتخاب أبو الحسن بنى صدر كرئيس مدنى للجهورية الإيرانية تصاعد ضغط القوى الدينية عليه وصولا إلى قيام البرلمان بسحب الثقة منه، ومن بعد توالى حكم المؤسسة الدينية وتوابعها.

مصر لم تضع دستورها لكنها ماضية فى الطريق تكتنفه تجاذبات حادة ورفض إسلامى قاطع لوضع مبادىء حاكمة تخضع للنقاش وتجاز بالاتفاق، وهذا معناه الوحيد الإصرار على اختطاف الدستور والدولة والمجتمع إلى حيث ذهب الخمينى. ففى صباح الجمعة الماضى نشرت صحيفة الأخبار حوارا مع د. محمد يسرى أمين عام الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح تحدث فيه عن إعداد دستور إسلامى بواسطة الهيئة التى يشارك فيها علماء من الأزهر ومشايخ من الدعوة السلفية وأعضاء من جماعتى الإخوان المسلمين والتبليغ، أى أنه موضع توافق إسلامى واسع. يتحدث الدستور عن مبايعة «إمام» للدولة يشترط فيه الذكورة والعلم بأحكام الشريعة (أى أن النساء والأقباط خارج المنافسة)، ولا يخضع بموجبه القضاء لغير أحكام الشريعة (فماذا إذن عن المعاهدات الدولية؟)، كما يحظر الدستور التبرج (وتلك أول مرة تتحدث فيها الدساتير عن الأزياء). أمين الهيئة واثق من أن الإسلاميين سيحوزون أغلبية برلمانية، ويعد بتقديم هذا الدستور ومعه أربعة دساتير أخرى للبرلمان. والنتيجة معروفة سلفا
.
• • •

ذكر د. محمد سليم العوا إن بعض الليبراليين لا يطيقون اللحية والجلباب، ولست ليبرالية لكن من باب إبراء الذمة أقول إن المشكلة ليست فى اللحى فهى ليست ملكا للمسلمين، ولا فى الجلباب الذى يتخذه الفلاح المصرى زيا له، إنما المشكلة فى رفض الوطنية المصرية برفع أعلام دولة باتت مأوى للطغاة وكان يمكن أن تأوى مبارك نفسه لو أراد، والمشكلة فى التشنج الذى رأيناه على وجوه الصائحين «إسلامية.. إسلامية» وقد ظنوا أنهم ذاهبون للجهاد ضد الملاحدة والجرابيع، والمشكلة أن حرياتنا وثقافتنا وفننا ووسطيتنا فى خطر لأن إحالة كل شىء لحكم الشريعة هو تماما كإحالة كل شىء لنص القانون الذى يأتى بالتقييد بعد الإباحة.

• • •

هذا المقال هو الأثقل على ضميرى ونفسى لأننى أصبحت أرى ما رآه خامنئى وبالتالى فإنه ما لم تتوحد القوى المدنية وتتوقف عن التهافت على المكاسب السياسية، وما لم نُحصن دولتنا ووطنيتنا بمبادىء ملزمة للجميع فأظن أن العد التنازلى فى انتظار الرئيس أبو الحسن بنى صدر المصرى قد بدأ.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved