حدث يومًا فى البلدة الصغيرة
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الإثنين 5 مايو 2014 - 6:50 ص
بتوقيت القاهرة
الزمان الساعة الواحدة والنصف من فجر يوم 12 أكتوبر عام 2012، المكان بلدة إينسفيل الواقعة على بعد 80 كم شمال مقاطعة أونتاريو بكندا. فى هذا التوقيت وهذا المكان كان ثلاثة من الأصدقاء يقودون دراجاتهم فى طريقهم لتناول ساندوتشات الهوت دوج اللذيذ. سار الأصدقاء الثلاثة فى نهر الطريق ولم يراعوا أيا من التعليمات الصارمة التى تلزمهم بوضع إشارات ضوئية تنبه قائدى السيارات إلى وجودهم، ولا وضعوا فوق رءوسهم الخوذ الضخمة المعتادة، نبتت فكرة تناول الهوت دوج فجأة وتعاملوا معها ببساطة، ظنوا أن المشوار لن يستغرق إلا بضع دقائق ولم يعلموا أى مصير ينتظرهم.
من خلفهم كانت تسير سيارة تقودها امرأة فى منتصف العمر قيل لاحقا إنها تجاوزت الحدود القصوى للسرعة، لم تلحظ وجود الأصدقاء الثلاثة خاصة وقد كانت الليلة ممطرة، وما أدراك ما أمطار كندا وثلوجها. لم تنتبه المرأة إلى أنه يوجد أمامها شىء يتحرك فصدمت الثلاثة وقتلت أكبرهم براندون ذو السبعة عشر ربيعا فيما أصيب صديقاه بكسور متفرقة.
•••
إلى هنا والقصة تبدو عادية جدا مثل الآف القصص الحزينة المشابهة، أما المدهش فهو أن السيدة شارلين قائدة السيارة قامت بتحريك دعوى قضائية ضد أسرة براندون وطالبتها بتعويض قيمته 1.350 مليون دولار ! وبررت المرأة طلبها بأن الصدمة العصبية التى أصابتها بعد رؤية الشاب مضرجا فى دمائه قد خلقت لديها حالة من «الإحباط والقلق والتوتر والضغط»، وأنا هنا أقتبس، ولم يفت المرأة بالمرة أن ترفع دعاوى قضائية على السلطات المحلية وعلى أسرتى صديقى براندون المصابين وعمرهما ستة عشر عاما.
عندما علمت الأم الثكلى بالتعويض المطلوب منها كان تعليقها «هل تقول إنها تعانى؟ قولوا لها أن تنظر فى وجهى وسوف ترى المعاناة والصدمة وتلاحقها الكوابيس». بعد ستة أشهر على وفاة براندون مات أخوه على أثر تعاطيه جرعة من الأدوية المخدرة لتخفيف شعوره بالوحدة.
•••
عندما تأملت أحداث هذه القصة الغريبة طرأ على ذهنى السؤال التالى : هل يمكن أن يأتى علينا يوم فى مصر نقاضى فيه من يتسببون صباح مساء فى تطبيعنا رغم أنوفنا على مشاهد التفجير والقتل والسحل والأشلاء المتطايرة؟ عندما كنا صغارا كان يأمرنا الأهل بأن نغمض عيوننا حتى لا نرى المشاهد التى تكبر سننا عنفا وجنسا فكنا نغمضها ولا نرى، الآن من يستطيع أن يغمض عينيه عن الصحافة والتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعى وملصقات الشوارع والمنشورات؟.. يتطوع أهل الخير ليلصقوا على صفحتك على الفيس بوك صورة لمباراة كرة قدم بالجماجم البشرية، أو أخرى لمجنون يلتهم كبد ضحيته، أو فيديو مثير لقتيل مسحول أو مصلوب فتعبر الصورة سريعا وتحذفها لكن بعد أن تكون قد صدمت بها. وإذا كانت القاتلة الكندية قد حددت الجهات التى تقاضيها فمن نقاضى نحن وكلنا غارقون فى الترويج للعنف إثباتا لجرم القاتل؟ جردنا العنف من إنسانيتنا وصار صاحب السبق هو من يصور آخر اللحظات التى تلفظ فيها الضحية أنفاسها الأخيرة، وقبل أن يطلب المارة الذين يتصادف عبورهم على حادث تفجير رقم الإسعاف لا يفوتهم تصوير المشهد النادر بالموبايل، حتى إذا فاضت روح الضحية تسارعت الأيدى لرفع الجثمان والطواف به وكلما زاد المشاهدون عظمت الفائدة.
•••
كيف النجاة بأدميتنا من هذا العنف المجنون فى مصر؟ كيف الحفاظ على سلامنا النفسى ونحن نصحو على مشاهد الجنائز ونبيت ؟ لو أن شارلين الكندية حلت بمصر فى هذه الأيام الصعبة لكونت ثروة طائلة لأنه إذا كانت دماء إنسان واحد تؤرقها تساوى 1.350 مليون دولار فكم يساوى «الأرق» من دماء المئات من المصريين الذين نخسرهم هذه الأيام ؟ لن تجئ شارلين قطعا إلى مصر، ولن يبحث أحد مثلها لقدر الله عن التربح من الموت، كل ما نرجوه فقط هو أن نربح إنسانيتنا وقد بات هذا شيئا بعيد المنال.