سيارة مفخخة

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الإثنين 6 يناير 2014 - 8:40 ص بتوقيت القاهرة

بدت كنيسة مار جرجس بمصر الجديدة وكأنها ثكنة عسكرية فى ليلة رأس السنة الميلادية، وجود شرطى مكثف فى المكان وكردون أمنى يطوق الكنيسة من كل الجهات، سيارة مصفحة تربض فى ميدان الحجاز على بعد خطوات تحسباً لأى خطر. لا يعرف المواطن الذى يشاهد كل تلك الإجراءات الأمنية هل يطمئن لأن الدولة تثبت حضورها وتؤكده، أم يقلق لأن تلك الإجراءات لا يمكن أن تستمر، وإذا تم تأمين الكنائس فى المناسبات الدينية فماذا عن غير ذلك من أيام، وإذا توافر التأمين لدور العبادة فرضاً على مدار العام فماذا عن محطات المترو وسيارات النقل العام والمدارس والجامعات، فى مصر الجديدة وحدها تم إحراق مترو النزهة مرة وإبطال قنبلة فى أتوبيس عام مرة أخرى، وفى كل مرة يسعى المصريون إلى تطوير آليات دفاعية يتصورون أنها توفر لهم الأمان. أعرف موظفاً قاطع أتوبيس النقل العام وانتقل إلى ركوب المينى باص ظناً منه أن الإرهاب يستهدف تلك الأتوبيسات دون سواها، لم يتردد فى أن يتحمل فارق التكلفة بين قيمة التذكرة فى الحالتين رغم إرهاق ميزانيته بالدروس الخصوصية ومطالب الأسرة الممتدة، لم يتردد لأنه يحسب أنه يحمى نفسه ومن ورائه كل من يعولهم.

•••

تسبب هذا الوجود الشرطى الكثيف فى إرباك حركة المرور حول الكنيسة، وبدت المفارقة شديدة بين الزينة المبهجة التى تتحلى بها الكنيسة والورد الذى ترصع الدرج وتنعكس عليها الأضواء الكاشفة، وبين الاستنفار الأمنى والكلاب البوليسية والرشاشات المشهرة بألوانها السوداء الكابية. منعت الحواجز الحديدية السيارات من أن تنتظر حول الكنيسة، لكن فى مواجهتها على الجانب الآخر كانت تتراص بشكل عمودى السيارات الواحدة منها تلو الأخرى. حانت منى التفاتة إلى الجانب المقابل للكنيسة ورحت أقطع الوقت الممل بمشهد المجند الذى يلف حول السيارات مصطحباً كلباً بوليسياً ضخماً ليكشف عما إذا كانت هناك عبوة ناسفة فى هذه السيارة أو تلك. بدا المشهد روتينياً بالنسبة للمجند المسكين الذى لا شك يكرره فى اليوم الواحد عدة مرات، وهكذا انتقل مع كلبه من أول سيارة إلى الثانية إلى الثالثة حين انتبهت على صوته مجلجلاً والأدق مفزوعاً ينادى زميله الذى يحرس الكنيسة : يا محمـــــــــــــد. ثبت الكلب أمام إحدى السيارات ورفض أن يعبرها إلى أخرى، فشلت كل محاولات المجند فى دفع الكلب للحركة خطوة واحدة إلى الأمام رغم كل القوة التى جذبه بها، كان هذا يعنى أن ثمة ما يثير انتباه الكلب. هرول محمد ومن ورائه ضابط برتبة مقدم لتبين الأمر، أما الرسالة التى وصلت إلى هذا الرهط الطويل من السيارات بطيئة الحركة فكانت أن تلك العربة الكيا السوداء التى رفض الكلب التحرك من أمامها تحمل متفجرات.

•••

انتابت سائقى السيارات حالة من الهيستريا وهم يحاولون البحث عن مهرب ولا يجدونه، وقعوا فى الفخ فعن يمينهم الكنيسة وعن شمالهم السيارات الواقفة ومنها العربة المفخخة، والأفق مسدود على مدد الشوف إذ يفصل بين كل سائق وآخر عدة سنتيمترات. ارتفع صوت الكلاكسات المزعجة لا تدرى لمن تتجه بالضبط فلا بد أن فى نهاية الطابور الطويل انسدادا ما غير معروف المصدر. لعل الاختناق مصدره ميدان الألف مسكن غير البعيد عن ميدان الحجاز، قالها سائق ترجل من السيارة مضيفاً أن الألف مسكن تحول إلى بؤرة من بؤر الاشتباك بين الإخوان والأمن منذ أسابيع طويلة. هكذا انشغلنا بالبحث عن مخرج من هذا المأزق، وانشغل بعضنا بتفاصيل صغيرة عن مصدر الاختناق المرورى أو طبيعة الشحنة الناسفة، لكن المؤكد أننا جميعاً لم ننشغل بهذا المجند الحائر مع كلبه يواجه مصيراً لا يعلمه إلا الله. أردنا أن ننجو من هذا المشهد ونبارحه بأقصى سرعة ممكنة، أما هو فباق إلى أن يُبطل مفعول القنبلة أو يقضى نحبه حال انفجارها، قلنا له اذهب أنت وربك فقاتلا إنا نحن هنا قاعدون، لا نحن لم نكن قاعدين إلا اضطراراً ولو وجدنا ثغرة للهروب لهرولنا، إنها معركة الأمن والإخوان، أما نحن فمشاهدون وفضوليون وأحياناً خبراء استراتيجيون.

•••

وقعت انفراجة محدودة فى الطريق وتحركت بى السيارة إلى الأمام تاركة المجند وصحبه يقلبون الأمر على كل الوجوه، وعندما وصلت إلى بيتى بسلامة الله رحت أتابع شريط الأخبار لعله ينبئنى بمصير السيارة والمجند والكلب لكن شيئاً متعلقاً بالأمر لم يذكر. اصطنعت راحة الضمير لأن شيئاً ما لم يحدث ولأن حواس الكلب البوليسى فيما يبدو لم تصدقه النبأ، انتظرت انتصاف ليل القاهرة لأعيد على أفراد الأسرة بحلول العام الجديد. وفى اليوم التالى وعند عودتى من العمل قررت بينى وبين نفسى ألا أسلك مجدداً طريق الكنيسة، تصرفت تماما كما تصرف الموظف إياه حين قاطع أوتوبيس النقل العام، وأظن أن كثيرين غيرى تصرفوا بالطريقة نفسها وقد قرروا «بحسم» الاختباء خلف أصابعهم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved