الهمزة الناقصة

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 6 فبراير 2014 - 6:15 ص بتوقيت القاهرة

تقول إحدى الأغنيات الجميلة المصاحبة لفيلم لا مؤاخذة للمخرج المبدع عمرو سلامة:

ماشى فى الحياة زى الألف

لكنى برضه ناقصلى همزة

والهمزة التى كانت تنقص هانى عبدالله ذلك الصبى المتفوق المهذب اختلفت فى بداية الفيلم عنها فى نهايته. كانت همزة هانى المفقودة فى النصف الأول من الفيلم تتلخص فى الحصول على الأمان بحيث لا يهينه أحد ولا يعتدى عليه زميل. تصور هانى أنه يمكن أن يضع الهمزة فوق أَلِفه بأن يندمج لا بل بأن يذوب فى تلاميذ المدرسة الحكومية رغم أنه يختلف عنهم فى كل شىء من أول المستوى الطبقى وحتى المستوى الدينى. إن هانى هو أحد أبناء الطبقة الوسطى العليا، فوالده مدير بنك وأمه عازفة فى الأوبرا، وهو لم ينتقل إلى هذه المدرسة إلا مضطرا بعد أن مات الأب وضاقت به وبأمه سبل العيش. كما أن هانى هو ابن لأسرة مسيحية يتردد على الكنيسة بين وقت وآخر، وحين يستبد به الألم ويضيق صدره لا يجد أمامه غير المسيح يبث له مشاعره.

عندما دخل هانى المدرسة الحكومية لأول مرة وقع تحت وهم أن ما ينقصه هو الأمان، وأن نفى ذاته هو وسيلة لتحقيق هذا الأمان. هكذا كتم ديانته عن الجميع ولم يبح بها حتى لصديقه مؤمن، وعلق آية قرآنية مكان الصليب فى غرفة نومه حتى إذا زاره زملاؤه فى الفصل ظنوا أنه مثلهم. توضأ كما يتوضأ التلاميذ وأدى معهم الصلاة فلم يخيطئ، وانتزع جائزة الإنشاد الدينى حين تغنى بأسماء الله الحسنى بصوت رخيم، وكان العهد أن يفوز بها قبله شيخ صغير. وضع هانى القرآن وسط الإنجيل وراح يقارن آيات بآيات ربما ليقنع نفسه أنه حين يفعل ما يفعل لا يخالف دينه ولا يصادم عقيدته، ورغم كل ذلك فإنه لم يحصل على الأمان. تحرش به زملاؤه وضربوه، سرقوا دراجته واستخفوا به فاكتشف أنه تنازل تنازلا مجانيا عن هويته، ولم يحصل فى المقابل على الأمان. هى إذن ليست تلك الهمزة التى تنقص ألف هانى.

<<<

فى النصف الثانى من الفيلم انطلق الصبى يبحث عن ضالة أخرى يعيد بها التوازن لنفسه، توصل إلى أن الهمزة التى تكمل الألف قد تكون هى إثبات وجوده لا نفيه. أن يعرفه الجميع كما هو، هانى المسيحى المختلف عن فصل يعج بالتلاميذ حتى ليصعب عليك أن تعد رءوسهم. صحيح أن اكتشاف ديانته جاء فى الأصل بمحض صدفة عندما رأى زملاؤه الصليب يتدلى من عنق والدته، لكنه بعد ذلك دافع عن كينونته بكل ما أوتى من قوة. أعاد الصليب إلى مكانه أعلى الحائط فى غرفة نومه، وتناول طعامه فى رمضان فلم يعبأ بنظرات نارية كانت تلسع ظهره، وقَبل التحدى فنازل البلطجى الصغير الذى كان يتحرش به قبلما يعرف دينه فلما عرفه زاد تربصه، نازله وهزمه ووجد دراجته بعد أن كانت قد اختفت. تلك إذن كانت الهمزة الصحيحة.

السلوك الذى سلكه هانى فى النصف الأول من الفيلم يلجأ إليه المختلفون عن الأغلبية العددية فى الأوساط غير المتسامحة أو هم يضطرون إليه اضطرارا، فإذا هم يفقدون خواصهم بالتدريج فيتكلمون لغة الأغلبية ويرتدون أزياءها ويتخذون أسماءها، أما الدين فإنه يظل آخر مكونات الشخصية استعصاء على الصهر والتذويب. تظن الأغلبية بهذا التذويب أنها حلت المشكلة وتخلصت من الأقلية بأن جعلتها جزءا منها، لكنها تكون واهمة فعلى مدى السنين تتراكم مشاعر القهر والحرمان فى نفوس أبناء الأقلية فإما تسلمهم للعزلة أو تأخذهم إلى الهجرة أو تدفعهم للانفجار. فى السودان مثلا أفضت سياسات الأسلمة والتعريب لجنوبه منذ عام 1989 إلى انفصاله عن الشمال، فالقاعدة تقول إن القهر لا يبنى المجتمعات بل يفككها.

كثيرة هى الأفلام التى حاولت الاقتراب من قضية التمييز الدينى المعروف خطأ باسم الفتنة الطائفية، بعضها عالج الأمر بسطحية بالغة وافتعال كبير كما كان حال فيلم حسن ومرقص قبل سنوات قليلة. أما فيلم لا مؤاخذة لعمرو سلامة فإنه يستمد تميزه من نقطتين أساسيتين، النقطة الأولى أنه نبش ولأول مرة على حد علمى فى جذور هذا التمييز الدينى ورده إلى أصله أى إلى التنشئة الاجتماعية فى الصغر. فهذه المدرسة التى تدور أحداث الفيلم فى رحابها تفترض ضمنا أن كل تلاميذها مسلمون، لم نر مدرسا مسيحيا ولا عرفنا من سيعلم هانى تعاليم دينه المسيحى، تنظم المدرسة مسابقة سنوية للإنشاد الدينى وليس للشعر أو للقصة مع أن التنافس على مستوى المدرسة وليس على مستوى حصة الدين مثلا فماذا يفعل غير المسلم ذى الصوت العذب إن أراد أن يفوز بجائزة؟. إن المدرسة هى أساس تكوين الشخصية ولا نتوقع من التلاميذ الذين يستنكرون لوجود مسيحى بينهم أن يطبعوا علاقتهم بالمسيحيين حين يخرجون إلى الحياة والعمل.

أما النقطة الثانية التى يستمد منها الفيلم تميزه فهى كشفه باقتدار حالة التشيزوفرينيا التى نعانى منها جميعا، فنحن نمارس التمييز ضد المختلفين معنا دينا وحين نواجه بأفعالنا ننكر وننفى ونرفض أن ننظر فى المرآة. إن ما قاله ناظر المدرسة، عن ثورة 1919 والهلال مع الصليب والصديق المسيحى وكل هذا الخطاب الذى نبرئ به أنفسنا من العنصرية، بقدر ما أضحكنا لبراعة الممثل فى الأداء فإنه كشف عن واحد من تناقضاتنا النفسية والسلوكية فى التعامل مع قضية التعدد الدينى. فالمدرسة تتباهى بأنها تخلو من المسيحيين (والحمد لله)، لكنها فى الوقت نفسه تحرص على إثبات تسامحها معهم. هنا أفتح قوسين لأقارن بين رسم شخصية الناظر بإحكام شديد وبين رسم شخصية الأم بشكل مضطرب وأكاد أقول بشكل غريب، بحيث لو غابت الأم تماما عن مجريات الفيلم ما افتقدنا شيئا ولا شعرنا بغياب.

<<<

لقد أخرجنا فيلم لا مؤاخذة من بيوتنا وسط هذا الجو المضطرب الذى نبيت فيه ونصحو، وكانت قاعة السينما شبه ممتلئة فشكرا لعمرو سلامة الذى أهدى لكل المشاهدين عيوبهم وحول شاشة العرض إلى مرآة كبيرة انعكست على صفحتها وجوه الجميع.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved