الأنفاس الضاحكة
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الإثنين 7 يناير 2013 - 8:20 ص
بتوقيت القاهرة
على ناصية ملاهى السندباد قرب مطار القاهرة، تقف بين الحين والآخر بعض شخصيات عالم ديزنى تغنى وترقص وتبعث البهجة فى نفوس الأطفال.
فى كل مرة تعطل فيها المرور و توقف أمامى طابور السيارات قرب الملاهى كنت أمد بصرى فأرى عن بعد تلك الشخصيات تلوح للأطفال وقد تباطأت سيارات الأهل كى تسمح لهم بأن يطلوا من النوافذ ليردوا على التحية بحرارة أكثر ودهشة أكبر وهم لا يصدقون أن رسوم الكرتون تتحول إلى كائنات حية أمام أعينهم.
رغم كل ضجرى من زحام القاهرة الذى لا يطاق لم أكن أبداً أمل هذا الطابور من السيارات، كان فى نهاية الطابور شئ يشرح القلب ويلف المكان بغلالة من البراءة تفتقدها العاصمة بشدة، أما طوابير السيارات التى تنتهى بشجار و دماء أو تتعطل لمرور مسئول كبير فإنها لا تطاق.
•••
عندما اقترب العام من نهايته، وبدأ موسم الاحتفال بالأعياد، لم يعد ينقطع ظهور شخصيات عالم ديزنى من على رصيف ملاهى السندباد. لكنى حتى مساء يوم 31 ديسمبر الماضى، كنت أتعامل مع تلك الشخصيات باعتبارها مجرد أدوات لإسعاد الأطفال لا أكثر ولا أقل.
أما هؤلاء البشر الذين يجسدون تلك الشخصيات، ويرتدون الجلد أو الفراء، وتحاصر طبقات الإسفنج الخانقة أجسادهم الناحلة لتبرز وتتضخم وتشيع الإحساس بأنهم حقيقة لا وهماً، هؤلاء البشر لم أكن أفكر فيهم قط حتى كان مساء ذلك اليوم. بينما كنت أنتظر أن يٌفتح الطريق لمرور السيارات كالعادة، كان من يتقمص شخصية الدب وينى يمسك بيديه طفلاً فى الرابعة أو الخامسة من عمره ويدور معه، ومن حولهما شخصيات أخرى عرفت لاحقاً أنها لأصدقاء الدب وينى.
وبعد أن لف الدب عدة لفات مع الطفل الصغير توقف لثوان، وانتزع يده المكتنزة من يد الصغير ليرفع الرأس الضخمة التى تُخفى وجهه ويلتقط نفساً عميقاً من الهواء البارد، ثم يعيد الرأس إلى وضعها الأول ويواصل الدوران كأن شيئاً لم يكن.
أحسست بقلبى يهوى بين ضلوعى وأنا أتابع المشهد السابق، يا الله.. أى نوع من الناس هو ذلك الإنسان الذى يقبل بكل أريحية أن يكتم أنفاسه ولو لثوانٍ فيما هو يغنى ويرقص ويمتع الأطفال. أى مخزون من الإنسانية والمشاعر النبيلة يكمن فى تلك الشخصيات التى تحتفظ بطاقتها على الإسعاد وتتحمل بصبر جميل مضايقات الصغار المزعجة بعض الوقت وتهكمات المارة اللاذعة طول الوقت ؟.
هذه مهنة لا يمتهنها كل أحد، هى تحتاج من يؤمن برسالتها وليس لمجرد من يبحث فيها عن لقمة عيش، هى أصلاً لا تقدم لقمة عيش لأنها موسمية والأرجح أن من يشتغل بها يعمل فى ملاهى السندباد أو فى السيرك الملاصق لها بعد انقضاء موسم المناسبات والأعياد. ترى هل تنقطع صلة هؤلاء البشر بالشخصيات التى يعيشون فيها بالمعنى الحرفى للكلمة بعد أن يخلعوا أرديتها ؟. كيف تنعكس على علاقاتهم بأولادهم وبالأهل والجيران؟ هل لهم يد فى اختيار تلك الشخصيات أم تفرض عليهم دون اختيار ؟ بل هل يعرفون تاريخ هذه الرسوم الكارتونية التى قُدر لهم تشخيصها ؟.
•••
انفتح الطريق أمامى ومررت مع المارين. عدت إلى بيتى وصورة صاحب شخصية الدب وينى لا تفارق خيالى هو وحده دون سواه من كل زملاء مهنته، فمن متابعتى يبدو لى أن هؤلاء كانت معاناتهم أقل، الأرجح أن تصميم الشخصيات التى يتقمصونها سمح لهم بفتحات تهوية تتيح لهم التقاط شهيق وإخراج زفير ولو بشئ من الصعوبة، أما وينى فلا. دفعنى الفضول كى أبحث فى تاريخ شخصية هذا الدب الذى يعرفه الأطفال باسم Winnie –the- Pooh ، لكأننى كنت أحاول أن أجد مدخلاً لمصادقة الإنسان الجميل الذى يتقمص شخصية الدب وينى عن طريق مصادقة الدب نفسه.
عدت إلى ويكيبيديا وعرفت أن هذه الشخصية من شخصيات عالم ديزنى أستوحاها كريستوفر ميلنى من مشاهداته لدب كندى فى حديقة حيوان لندن. أما الدب الملهم نفسه فقد اشتراه ضابط كندى هو هارى كوليبورن عندما كان فى طريقه إلى بريطانيا أثناء الحرب العالمية الأولى، ثم حين انتقلت فرقته العسكرية إلى فرنسا أهداه إلى حديقة حيوان لندن بعدما أعطاه اسم وينى. حافظ مبتكر الشخصية الكارتونية على اسم الدب وينى وأضاف إليه the Pooh وهو الصوت الذى تصور أنه يصدر عن وينى حين يطارد الحشرات. كما طور ميلنى فى شكل الدب من اللون الأسود إلى اللون الأصفر، وجعل له عدداً كبيراً من الأصدقاء يجسد كل منهم صفة معينة كالشهامة والتشاؤم والثقة الزائدة. وأصدر أول مجموعة قصصية عن هذه الشخصية فى عام 1926.
•••
عندما كنا صغاراً لم نسمع شيئاً عن وينى وأصدقائه، فمن بين كل شخصيات ديزنى لم نكن نعرف سوى ميكى ومينى ماوس. كان عالمنا صغيراً، وكانت مصادر بهجتنا متعددة رغم تواضعها، لم نكن نحتاج إلى من يتحملون العناء الكبير للتخفيف عنا وإسعادنا فى الطريق العام، كان المرور منساباً ولم نحتج فيه للتسلية. لكن الثورة الاتصالية ربطت كل العوالم ببعضها البعض ودخل وينى ومن معه دنيا الأولاد والأحفاد، دخلوا وحدهم لا يصحبون معهم أولئك الذين يشخصونهم ممن لا يذكرهم أحد ولا تُعرف أسماؤهم، مع أنه لولا هذه الأنفاس الضاحكة لظل وينى وصحبه رسوماً متحركة أو حكايات مقروءة، ولظل الطريق طويلاً ومملاً إلى أبعد مدى