زيارة نجاد إلى القاهرة وتغيرات فى المشهد الإقليمى

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 7 فبراير 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

تأتى زيارة الرئيس الإيرانى محمود أحمدى نجاد القاهرة للمشاركة فى أعمال القمة الإسلامية الثانية عشرة، تأتى فى ظرف إقليمى دقيق يشهد بوادر حراك تؤثر إيران على معظم ملفاته الرئيسية. فى سوريا يبدو أن عامين من الصراع الدامى بين نظام بشار الأسد وقوى المعارضة وعدم قدرة أى من الطرفين على حسم الصراع لصالحه من جهة، وحرص القوى الغربية على عدم التورط العسكرى فى الصراع وفى الوقت نفسه على ترتيب الأوضاع الداخلية بعد زوال حكم بشار من جهة أخرى، يبدو أن هذين العاملين كانا من وراء طرح المعارضة فكرة فتح حوار مع النظام. فللمرة الأولى يخرج علينا الشيخ معاذ الخطيب رئيس الائتلاف الوطنى السورى بفكرة التحاور مع النظام ممثلا فى نائب الرئيس فاروق الشرع، وهى فكرة سبق للنظام طرحها مرارا ورفضتها المعارضة، لكن ما دعا الخطيب لقبولها على حد قوله هو تغير موازين القوى على الأرض. ولقد اشترط المعارض السورى أن يكون الحوار على كيفية رحيل النظام، وأن يسبق ذلك إفراج بشار عن 160 ألف سجين يحتجزهم داخل سجونه. ومن اللافت للنظر أن الولايات المتحدة بادرت على الفور إلى تأييد مبادرة الحوار على ألا تتضمن أى حصانة للأسد، كما رحبت روسيا بدورها مفضلة ألا تكون المبادرة مشروطة ووجهت الدعوة للشيخ الخطيب لزيارة موسكو فيما بدا كأنه بادرة على تغير فى الموقف الروسى والانفتاح على المعارضة السورية، وبالمثل أثنت إيران على المبادرة وسمح مؤتمر الأمن الذى انعقد فى ميونخ قبل أيام بفرصة للقاء بين وزير الخارجية على أكبر صالحى وصاحب المبادرة الشيخ معاذ الخطيب. وهكذا فيما يبدو فإن حدا معقولا من التأييد الدولى والإقليمى يتوفر لهذه المبادرة، وإن كانت دولة كتركيا تنذر المبادرة بتهميش دورها لا تستريح لها لكنها وحدها لن تكون قادرة على التأثير. أما المتغيرات الأخرى المتعلقة بموقف النظام السورى نفسه، وبفصائل المعارضة السورية الأخرى الداخلة فى تشكيل الائتلاف وعلى رأسها المجلس الوطنى السورى المتحفظ على الحوار قبل رحيل النظام، فهى بلا شك تمثل مدخلات أساسية لتطور الموقف فى سوريا، لكن أظن أن هناك وعيا عاما بأن الظرف التاريخى يسمح بفرصة قد يكون من الصعب التضحية بها.

 

•••

 

وفيما يخص مصر فهى تشترك مع إيران فى رفض مبدأ التدخل العسكرى الخارجى فى سوريا، لكنها تختلف معها فى مسألة مصير الأسد التى تراها إيران أمرا يقرره السوريون وحدهم، وهو تحفظ دبلوماسى للتهرب من رفض فكرة تنحية الأسد. لكن فى كل الأحوال فإن العلاقات المصرية – الإيرانية أعقد بكثير من المسألة السورية، وكبعد واحد من أبعاد هذا التعقيد يمكن النظر إلى حالة الاستنفار التى انتابت العديد من التنظيمات الإسلامية السلفية فى مصر والتى سمعنا بها لأول مرة مثل: ائتلاف المسلمين للدفاع عن الصحابة والآل وحركة ثوار مسلمون وحركة السلفيون الثوريون والحزب الإسلامى...إلخ، تلك الحالة التى تمثلت فى الإعلان عن تنظيم وقفات احتجاجية فى كل مكان يذهب إليه الرئيس الإيرانى فى مصر لأسباب مختلفة أبرزها رفض نشر التشيع، وقد سبق للجماعة الإسلامية وبعض القوى السلفية تنظيم مؤتمر لنصرة عرب الأحواز قبل شهر كان عنوانه هو الدفاع عن قضية عربية أما جوهره فكان هو الغمز فى النظام الإيرانى الشيعى، وإلا لسأل المرء نفسه لماذا الدفاع عن عروبة إقليم الأحواز فى إيران وليس عن عروبة إقليم الإسكندرون فى تركيا مثلا؟ من هنا أعتبر أن قضية التطبيع الكامل للعلاقة مع مصر هى قضية مؤجلة لأجل غير معلوم.

 

•••

 

فى الجوار السورى أى فى العراق توجد حركة احتجاجية متصاعدة ضد حكومة نورى المالكى المدعومة بقوة من إيران. وقبل أن يحل نجاد ضيفا على مصر كان قد أدلى بحديث لقناة الميادين اللبنانية يوم الإثنين الماضى أثار فيه تحذيرا مهما عن احتمالات تقسيم العراق على خلفية العنف المتصاعد فيه، وعلق على ذلك بقوله إن إيران هى الأقل تضررا من تقسيم العراق «بسبب علاقاتها الجيدة مع القوميات الموجودة على حدودها». نجاد هنا يلوح بشكل غير مباشر بشبكة علاقاته الواسعة مع القوى الفاعلة فى العراق: الأكراد، تنظيم القاعدة فى بلاد الرافدين، وبطبيعة الحال مع كتلة كبيرة من الشيعة خصوصا تلك التى تحمل الجنسية الإيرانية.وهو بذلك يريد أن يقول إنه وإن كان تفكيك العراق ليس خيارا إيرانيا مثاليا، لكن حال تحققه فإن إيران قادرة على توظيفه لصالحها. جدير بالذكر أن الساحة العراقية هى واحدة من ساحات التنافس التركى – الإيرانى كما يتضح بشكل خاص فى مقاربة المسألة الكردية.

 

على جانب آخر، ثمة اتفاق مبدئى لم يتأكد بعد على استئناف المحادثات النووية بين إيران ومجموعة ال 5 +1 (الدول الخمسة دائمة العضوية فى مجلس الأمن + ألمانيا) فى كازاخستان فى 25 من الشهر الجارى. وسوف تدخل إيران هذه المحادثات إن تمت وهى مزودة بالمزيد من الإنجازات التكنولوجية آخرها محاولتها المثيرة للجدل الشديد المتمثلة فى إرسال قرد إلى الفضاء، وبمزيد من عرض القوة العسكرية كشفت عنه صواريخها التى أطلقتها حماس على القدس وتل أبيب مؤخرا. أكثر من ذلك يلوح فى الأفق ما يشير إلى احتمال فتح قناة للاتصال المباشر بين إيران والولايات المتحدة كما سبق أن فُتح اتصال بين الولايات المتحدة وحركة طالبان. فقبل بضعة أيام صرح وزير الخارجية الإيرانى على أكبر صالحى بأنه يدرس عرض نائب الرئيس الأمريكى جون بايدن والخاص بإجراء مباحثات مباشرة بين الطرفين، واستطرد قائلا «لا يوجد أى خط أحمر للمفاوضات الثنائية» ما دامت لدى الجانب الآخر نية حقيقية لحل القضية. ولو حدث ذلك فإنه سوف يمثل تغيرا جذريا فى الموقف الإيرانى، وسوف يفتح آفاقا جديدة لإدماج الملفات السياسية فى المباحثات التقنية النووية. فلا يتصور أحد أن تحل أزمة النووى الإيرانى بينما تظل قضايا سوريا والعراق ولبنان وأمن الخليج بمعزل عن التسوية، وهذا يعنى أن أطرافا عربية سيتعين عليها دفع أثمان وأن بعض هذه الأثمان سيكون باهظا.

 

•••

 

وفى الوقت الذى يتغير فيه الإقليم من حول إيران فإن إيران نفسها سوف تتغير من الداخل، وستشهد الجمهورية الإسلامية فى شهر يونيو المقبل انتخاب الرئيس السابع خلفا للرئيس الحالى محمود أحمدى نجاد. وفى السباق الانتخابى يعد على جواد لاريجانى رئيس مجلس الشورى الحالى والمقرب من مرشد الجمهورية وصاحب الباع الطويل فى إدارة المباحثات النووية الإيرانية، أحد أبرز المرشحين لخلافة نجاد. وبالتالى فسوف تكون الأشهر القليلة المقبلة شهورا تتحسس فيها الولايات المتحدة مواقع أقدامها فى انتظار الوافد الجديد لرئاسة إيران، والحق أنه ليست الولايات المتحدة وحدها التى سوف تراقب عن كثب نتائج الانتخابات الإيرانية فذراع الجمهورية الإسلامية يمتد إلى ساحات عربية وشرق أوسطية لا أكثر منها.

 

 

 

 

 

أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved