PAPA.. محمد

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: السبت 7 مارس 2009 - 3:06 م بتوقيت القاهرة

 بمناسبة اقتراب حلول المولد النبوى الشريف،فيما يبدو ،تلقت إيميلا من أحد زملائها فى العمل مرفقا به تسجيلا مصورا، ولفت انتباهها أن زميلها أوصاها بأن تراه وشدد عليها فى وصيته، التسجيل الذى بث على موقع Youtube لم يكن بالجديد، فالتاريخ المدون عليه يشير إلى أنه أذيع قبل عامين، ومع ذلك لم تأخذ به علم، ياه إلى هذا الحد صرنا نعتاد الشاذ ونألفه؟ عندما شَرعت فى مشاهدة التسجيل، ظنته لأول وهلة تسجيلا مفبركا، لكن المذيع المشهور جدا كان هو، والداعية ذائع الصيت كان بشحمه ولحمه، والذى جمع الاثنين برنامج هى من مشاهديه المنتظمين، ترى فى أى سياق فاتتها هذه الحلقة؟

فى التسجيل المصور تلقى المذيع سؤالا من طفل يدعى يوسف، قال فيه: «كنت عاوز أسأل حضرتك هو الاحتفال بالكريسماس حلال؟ «وعندما استوضحه المذيع ماذا يعنى بالاحتفال رد الصغير ببراءة من يريد أن يفهم «يعنى بابا نويل ييجى ويجيب هدايا» بدوره ألقى المذيع السؤال على داعية الفضائيات، الذى ارتبط اسمه بقصص لا تقل غرابتها عن إجابته، فإذا به يعتدل فى مقعده ويرد مستظرفا «بص يا يوسف عندنا papa اسمه محمد» ثم ينظر إلى الكاميرا، ويقول: «لو سمحتم يا أتباع محمد ابعتوا ليوسف هدايا وقولوا له هذه الهدايا من بابا الرسول محمد».

أعوذ بالله قالتها فى سرها، جاهدت غيظها وكظمته، كانت تحتاج أن تفهم من أين أتى هذا الشيخ بتلك المقارنة، وقَلبُها على آلاف من مقلديه، الذين قد يبعثون فعلا بهدايا المولد إلى يوسف أى يوسف، بدا الرجل مقتنعا بما يقول، فلقد اعتبر أن تلقى الهدايا من بابا نويل كمثل أن يكبر جورج بوش هو وزوجته فى عيد الأضحى ويذبحان، أو أن يحمل الليبى علم بلاده فى ميدان التحرير أو العكس.. وتجاوز حدود اللياقة عندما رد على دهشة المذيع بعبارات من نوع «إنت عاوز الطحينة اللى إحنا فيها دلوقت، يعنى ساكلانس كله سايح على بعضه المسيحى على اليهودى على المسلم»!!

رفقا بنا يا فضيلة الشيخ حتى وإن كنا من غير مقلديك ولن نكون، قالتها وهى حانقة فقد هالتها المشابهة بين شخصية خرافية وخير الأنام ،مثَل أمام عينيها بابا نويل بذقنه ثلجية البياض وردائه الأحمر وبدانته الملحوظة وحركاته الفكاهية، وعَجبت للشيخ كيف يجرؤ على أن يجعله ندا لخاتم الرسل والنبيين.

جرَها حديث الداعية إلى أن تقرأ عن تاريخ بابا نويل فوجدته شخصية أسطورية يحيطها الغموض، وليس أكثر حاجة للغموض من أسطورة. ينسبه البعض إلى إله يدعى أودين قيل إن الحضارة الجرمانية عرفته قبل ظهور المسيحية، وكان إلها رحيما بالأطفال يملأ أحذيتهم الطويلة بالحلوى واللعب. وينسبه البعض الآخر إلى قس يونانى اسمه سان نيكولاس يزعمون أنه ظهر فى القرن الرابع الميلادى وكان بارا بالفقراء سيما الأطفال منهم يترك على أبوابهم عشية عيد الميلاد هدايا تدخل البهجة على قلوبهم الصغيرة.

ينسبه البعض وينسبه.. لكن الجذع المشترك لأسطورة بابا نويل قبل الميلاد وبعده أنه كان شخصا خيِرا حنونا محبا للأطفال، فما الضير أن يوجد بيننا أى بابا يسر صغارنا الذين كبروا قبل أوانهم بشرط ألا يكون بابا محمد؟ إن دولة «مثل إيران تحتفل بعيد النيروز فلا هى عانت من «الطحينة» ولا السيَحان» بل حملت تاريخها قبل الإسلام من الحكم الامبراطورى إلى حكم آيات الله.

تذكر قبل أعوام كيف أخذها الحديث بعيدا مع ذلك السياسى القبطى المخضرم إلى الانبهار بالشخصية المصرية، التى يلتقى فيها الأصيل مع الوافد وتتداخل فى نسجها الأديان والمذاهب، لنكون إزاء ضفيرة متماسكة يسميها مولانا «سكلانس»، وتذكر كيف ضرب لها صاحبها مثلا بشعائر الاحتفال بالمولد النبوى الشريف حيث يمتزج الأثران الفاطمى والقبطى، ورجع بكرسيه إلى الخلف مبتسما، وهو يقول لها: «خايف أقولهم إن الفارس على حصان المولد هو مار جرجس ليحَرموه»!

أما من أشد ما أدهشها بحق فى حديث مولانا الشيخ، وإن لم يكن هو الأشد بالضبط، فكان استغرابه أن يرفع ليبى علم بلاده فى ميدان التحرير أو أن يرفع مصرى علم بلاده فى ليبيا، وذلك فى معرض تدليله على عدم جواز احتفاء المسلمين ببابا نويل آه.. وقع الشيخ فى المحظور فدخل إلى غير ساحته ولعب على غير أرضه.. ساحة العلاقات الدولية وأرضها، والآن هى تحتاج أن تُذكر مولانا أن اليمنيين وكذلك الفلسطينيين والأردنيين، الذين كانوا يقيمون فى السعودية والإمارات وقطر أثناء حرب الخليج الثانية رفعوا علم العراق الذى لا هو علم دولتهم ولا هو علم دولة المقر، وهذا أشد من رفع علم ليبيا فى مصر وعلم مصر فى ليبيا، وفى عدوان إسرائيل الوحشى الأخير على غزة ارتفع العلم الفلسطينى فى البرلمان الفنزويلى، وحمله آلاف المتظاهرين فى عاصمة النور بعربها وفرنسييها، وهم يرددون فى صوت تقشعر له الأبدان: كلنا فلسطينيون، فهل صاروا بالفعل فلسطينيين؟ ما هذا بالله عليك، ولماذا نريد من الآخرين (تحديدا الغربيين) أن يرفعوا أعلامنا فى أزماتنا ونستكثر أن يرفع بعضنا أعلام البعض الآخر؟ إنها السياسة يا شيخ.

كانت ستقدر رده كثيرا، لو أن مولانا حنا على يوسف ووضع له قصة بابا نويل فى سياقها وحجمها الطبيعيين، واستخلص له منها العبرة التى أجمعت عليها كل طبعات القصة الأسطورة: عبرة الرحمة بالصغير، أما أن يُسمع الصبى ما قال فإن هذا هو عين «الطحينة» التى تندر عليها، ومزاح ثقيل من فضيلته فى موضوع لا مزاح فيه.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved