عن مسلسل تديين السياسة
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الخميس 8 مايو 2014 - 7:25 ص
بتوقيت القاهرة
مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المصرية، يتزايد استدعاء الدين فى الخطاب السياسى وكأننا لم نمر بتجربة شديدة الإيلام من أول استفتاء ١٩ مارس، مرورا بالانتخابات التشريعية ثم الرئاسية عامى ٢٠١١ و٢٠١٢. فى كل تلك المناسبات كان تزيين أى خيار يأتى مقرونا بأنه الأفضل للدين حتى وصلت للسلطة جماعة احتكرت الدين لحسابها وكان من أمرها كل ما كان.
•••
يوم ٢١ أبريل الماضى أدلى الأنبا بسنتى أسقف حلوان والمعصرة بحديث مطول إلى صحيفة الوطن المصرية، وأبرزت الصحيفة من حديثه جملة موحية جعلتها عنوانا للحديث «الخير سيأتى لمصر على يد السيسى». ولمعرفتى بأن العناوين فى أحيان كثيرة لا تعكس مضمون الحديث، انتقلت إلى المتن فلم أجد إلا تأكيدا لمعنى العنوان. قال الأنبا بسنتى «أنا كمواطن مصرى ألمس أن الخير الكثير سيأتى لمصر على يد المشير عبد الفتاح السيسى»، وأردف «الأستاذ حمدين صباحى إنسان جيد بلا شك ولكن الظروف التى تمر بها مصر تريد شخصا عسكريا» !!، وأضاف « نحن ندعو أن يكون هو (أى السيسى ) الرجل الذى يختاره الله لقيادة البلد الغالية مصر». عفوا سيادة الأنبا، إنك حين تتحدث للإعلام فإنك لا تعبر عن رأيك كمواطن عادى لكن كراعٍ لكنيسة لها شعبها الذى يحمل لك كل احترام ويتأثر برأيك ويستصوبه، وعندما تصرح بما صرحت به فإنك تؤشر وبكل وضوح إلى أين يذهب اختيارك، لا يقلل من ذلك قولك «الكنيسة لا تدفع الأقباط لاختيار أحد» فالدفع بمعناه المادى بالقطع ليس قائما لكن الدفع بالمعنى المعنوى قائم بالتأكيد، وقوة الكنيسة مصدرها معنوى أخلاقى بالأساس. مر حديث الأنبا بسنتى دون أن أقرأ تعليقا عليه، لكن صحفا مصرية عديدة نشرت يوم 5 مايو الجارى أن البابا تواضروس الثانى بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية أكد «أن الكنيسة لن تدعم مرشحا بعينه»، كما أكد الأنبا أنطونيوس مطران الأقباط الكاثوليك بالجيزة على «أن الكنيسة لن تتدخل فى السياسة أو الانتخابات ولن تدعم أحد المرشحين».
•••
على الجانب الآخر قدم حزب النور تسعة أسباب تبرر تأييده للمشير السيسى فى انتخابات الرئاسة ونشرتها صفحات الحزب فضلا على صفحات الدعوة السلفية. بعض ما ورد فى البيان من أسباب يتميز بالطرافة كما فى السبب الأول الذى أشار إلى تعاون مؤسسات «الدولة العميقة» مع السيسى، دون إدراك أن مصطلح الدولة العميقة يضر ولا ينفع كونه يقصد شبكة من المصالح البيروقراطية المترسخة التى يستميت أصحابها فى حمايتها ويقاومون كل تغيير. والبعض الآخر يتميز بالتناقض مع العداء المعلن من حزب النور للناصرية والناصريين إذ يتحدث السبب الثالث عن أن السيسى رجل «قومى» ووطنى وذكى. أما البعض الثالث فيتميز ببراجماتية يُحسد عليها النور إذ ينوه إلى أن السيسى «صاحب فرصة فوز كبيرة وليس هناك مصلحة للحزب من عدم دعمه». لكن كل تلك الملاحظات شىء والملاحظة المتعلقة بالتبرير الدينى لاختيار النور دعم السيسى شىء آخر تماما، ففى السبب الخامس ورد أن السيسى «يعلم خطر الشيعة جيدا وأنها قضية أمن قومى»، ومثل هذا الكلام الطائفى البغيض هو نفسه الذى يحمل أشد الخطر على أمن مصر القومى. فأى شيعة يقصد بيان النور ؟ شيعة إيران وكأن مصر تبنى سياستها على أسس مذهبية لا مصلحية كتلك التى بنى عليها النور موقفه ؟ أم شيعة مصر الذين هم جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعى المصرى والذين ذبح بعضهم بدم بارد فى عهد مرسى جراء مثل هذا التحريض المذهبى؟.. أتوقع تعليقا سريعا من المشير السيسى ينفى به عن نفسه أنه مرشح السنة فى مصر. وفى السبب السابع أورد البيان أن السيسى «يحافظ على الصلاة كما قال أكثر من عاشره»، فمتى نتوقف عن الزج بأنفسنا فى تقييم عبادات السياسيين وهذا شأن لا صلة لمخلوق به ؟ وهل كان مرسى يفعل شيئا إلا توزيع صلواته على المحافظات المختلفة كل أسبوع، فإذا كانت الصلاة معيار الصلاح لماذا شارك حزب النور إذن فى رسم خارطة الطريق ؟ هل يفيد فى شىء أن أقول إننى رأيت حمدين ينسل فى أعقاب اجتماعات التيار الشعبى ليؤدى الصلاة، أو أن الرئيس عدلى منصور رفع جلسة المجلس القومى لحقوق الإنسان بقصر الاتحادية ليصلى الظهر أو أن مستشاره للشئون الدستورية على عوض استأذن من إحدى الجلسات وهو على المنصة ليصلى الظهر بدوره ؟ لن يفيد لأنه غير مطلوب سياسيا، والعبادات نقرة والمعاملات نقرة أخرى. وفى السبب التاسع والأخير تضمن البيان أن السيسى «لا يحمل أيديولوجية معادية للإسلام أى ليس ليبراليا ولا علمانيا ولا يساريا ولا معاديا للشريعة»، فهل كانت وثيقة المدينة إلا مؤسسة لمبدأ المواطنة الذى هو جوهر الليبرالية ؟ وهل تتناقض الاشتراكية مع الإسلام ؟ وما موقف الحزب بعد أن أعلن السيسى فى حواره التليفزيونى أنه مع الدولة المدنية التى تسبب حساسية شديدة للتيار السلفى ؟
•••
إن مما يشجع على توظيف الدين توظيفا واسعا فى العملية الانتخابية ذلك الحضور القوى للمفردات الدينية سواء فى خطاب المشير السيسى أو فى خطاب بعض من عرفوه عن قرب. ففى حوار العميد متقاعد سيد غنيم فى الأهرام العربى يوم 15 مارس 2014 ذكر أن المشير كان معروفا بأنه «مشغل قرآن» فى البيت والمكتب وحتى السيارة، وأنه يصوم كل اثنين وخميس، وأنه أثناء وجوده فى الوحدة العسكرية كان إما فى مكتبه أو فى المسجد أو يمارس الرياضة.
فمتى نتبين أننا لن نستطيع منافسة الإخوان فى أداء الفرائض لأن هذا مجال تميزهم عند من يفتشون فى صلة العبد بربه، إنما منافستهم مطلوبة ومؤثرة فى المجال الذى لم يقتربوا منه قط وتجسده ثلاثية الثورة الشهيرة: عيش، حرية، عدالة اجتماعية فهل ثمة حياة لمن ينادى؟... أشك