ماذا يجرى فى بر مصر؟

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 8 أغسطس 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

عندما ينشر هذا المقال ربما تكون معالم الصورة قد اتضحت للخروج من الانسداد السياسى الراهن، لكن ما أكتبه اليوم هو تحليل لتطور صنع السياسة فى مصر منذ عزل مرسى فى 3/7/2013 وحتى تاريخه.

كانت لنا مشاكل كثيرة مع نظام الرئيس المعزول أهمها ثلاث بالأساس، الارتهان للخارج وعدم الوضوح والتردد. وكواحدة من الملايين التى خرجت فى كل الفعاليات الشعبية منذ 28 يونيو الماضى وحتى 26 يوليو كنت أتطلع إلى مرحلة جديدة تنتفى فيها المشاكل الثلاث. صحيح أنها مرحلة انتقالية بحكم التعريف، وصحيح أن شهرا من عمرها لا يكفى لتقييمها لكن النهايات ترتبط بالبدايات، أو كما يقول المثل العربى البليغ الذى قرأته لأول مرة قبل يومين «لو بدها تمطر كانت غيمت».

●●●

مصر دولة إقليمية محورية هذا معلوم للكافة، وهى تؤثر فى جوارها العربى وغير العربى ولا يمكن لأى دولة عظمى أن ترسم سياستها فى الشرق الأوسط دون اعتبار لما تشهده مصر من تطورات هذا أيضا معلوم للكافة. لكن فى الوقت نفسه فإن هذا السيل المنهمر من الزيارات الرسمية لوزراء خارجية ألمانيا وقطر والإمارات ونائب وزير خارجية أمريكا ومنسقة السياسات الخارجية للاتحاد الأوروبى ووفد الاتحاد الأفريقى وعضوين من الكونجرس الأمريكى مثير للدهشة، وبعض هؤلاء قدموا إلى مصر مرتين كما فى حالة كاثرين آشتون ووليام بيرنز. بل إن الناشطة اليمنية توكل كرمان جاءت لتقف بنفسها على حقيقة الأوضاع فى مصر و«تقصى الحقائق» كما تقول. فما هذا؟... إن عاما من حكم الرئيس المعزول شهد تهجيرا للمسيحيين وسحلا للشيعة وتجميعا للسلطات فى يد الرئيس وانتهاكا للقانون وحصارا لمؤسسات الدولة وفضا لاعتصام سلمى حقيقى فى الاتحادية ولم تتحرك شعرة واحدة فى رؤوس كل هؤلاء المسئولين.

كان أقصى جهد بذلوه هو الاجتماع مع رموز المعارضة ودعوتها للمشاركة فى الانتخابات التشريعية، لم يزر أحدهم أيا من شباب الثورة المتهمين بإهانة الرئيس، ولا دافع أحدهم عن المتظاهرات اللائى كن يرمين بكل الموبقات تحت قبة مجلس الشورى. لكن رغم كل شيء فأن تحاول هذه الأطراف التأثير فى التطور السياسى المصرى بما يخدم مصلحتها فهذا شأنها، لكن ما بال الحكومة المصرية تفرش الطريق لهؤلاء لزيارة قيادات الإخوان بل والرئيس المعزول نفسه قبل أن تنتبه الحكومة إلى أن محمد مرسى متهم جنائى وليس معتقلا سياسيا. لم أرتح لدعوة الفريق السيسى الولايات المتحدة لاستخدام نفوذها لدى الإخوان للقبول بالأمر الواقع، ولا ارتحت للبحث عن حل خارج النطاق المصرى ثم نتحدث بعد ذلك عن رفض التدخل فى الشئون الداخلية. فى الأسبوع الماضى كتبت عن عدة مبادرات وطنية للحل فلم لا تناقش علنا لم لا نختلف حولها ونطورها ونغير فيها، لم نغلق عليها الباب ونقتحه على مصراعيه للخارج وكأننا استبدلنا العالم كله بالتنظيم الدولى للإخوان المسلمين.

●●●

هذا عن الارتهان للخارج، أما عن غياب الشفافية فحدث ولا حرج، فكم ضرب الواحد منا أخماسا فى أسداس ليعرف حقيقة ما دار بين الفريق السيسى وبين وفد التيارات الإسلامية، عرفنا ما قاله لهم لكن ماذا قالوا هم له؟. هل اجتمع وزيرا خارجيتى قطر والإمارات ونائب وزير خارجية أمريكا بنائب المرشد أم لم يجتمعوا؟، بعض الأنباء قالت حدث الاجتماع لكن وزارة الداخلية نفت وكنت أرجو من الله أن تكون صادقة لأننى فيما أظن أن أحد أبرز مطالب الملايين التى خرجت فى 30 يونيو كان وما يزال عدم اشتغال التنظيمات الدينية بالعمل السياسى، هذا دون الحديث عن الوضع القانونى للجماعة وهو موضع شك سواء للسرعة التى أقر بها بواسطة وزيرة التضامن الاجتماعى السابقة، أو وهو الأهم لجهة ارتباط الجماعة بالعنف السياسى والتحريض عليه. أرجوكم كاشفوا الرأى العام، اخرجوا علينا مصارحين كما خرجتم طالبين التفويض، ضعونا فى الصورة، حدثونا عن الضغوط التى تتعرضون لها حتى نؤازركم فى مواجهتها، لا تتركونا نستنتج. صباح يوم الإثنين الماضى كتب أحد شباب الثورة على تويتر إن المصريين لا يمكن أن يقبلوا خروجا آمنا لقيادات الإخوان، فهل هذا هو الغرض من الضغوط الخارجية؟ ما الثمن الذى تدفعه هذه القيادات للخارج مقابل التهافت على إنقاذها؟ وما يلزم مصر بعلاقة خاصة بين الإخوان والولايات المتحدة؟

●●●

وأخيرا آتى للتردد فى صنع القرار، سنفض الاعتصام بموجب تفويض الحكومة لوزير الداخلية، سنفضه لكن فى إطار القانون، لن نلجأ إليه إلا كبديل أخير، الاعتصام السلمى مسموح به، لن نسمح بالاعتصام أمام مدينة الإنتاج الإعلامى. مرة أخرى أرجوكم أشركونا فى قراراتكم، قولوا لنا إنكم تنوون رد الاعتصام إلى معناه الحقيقي: تجمع سلمى فى مكان محدد دون مغادرته وهذا مطلب لا يستطيع أى مدافع عن حقوق الإنسان أن يحاججكم فيه، أو قولوا إنكم ستفضون الاعتصام بالقوة وتحملوا نتيجة ذلك، لكن لا تقولون مالا تفعلون. لا تعلنوا أنكم لن تسمحوا بقطع الطريق وترويع المواطنين انطلاقا من موقعى الاعتصام فى رابعة والنهضة، ثم يخرج بضع مئات يتبعثرون فى أرجاء العاصمة يشاكسون خلق الله ويتعدون على المارة ثم يعودون أدراجهم سالمين.

كنت أعددت مقالا خفيفا يتناسب مع أجواء عيد الفطر، لكن تطور الأحداث فرض نفسه، وكما لم نزعم أن لدينا مثل بعض معتصمى رابعة والنهضة رخصة الإفطار طيلة شهر رمضان، فإن كثيرين منا لا يقوون مثلهم على نصب المراجيح احتفالا بالعيد.

 

أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved