جريمة سيناء
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الخميس 9 أغسطس 2012 - 9:55 ص
بتوقيت القاهرة
بين كل دول الثورات العربية فإن الصراع على إعادة تشكيل هوية مصر وعلاقاتها الخارجية هو الأعنف والأخطر وسوف يكون هو الأطول، فمصر شاءت أم أبت تؤثر فى محيطها العربى بقوتها وأيضا يضعفها وتقدم النموذج فى الحالتين، هذا هو قدرها وهذا هو حكم التاريخ والجغرافيا والبشر. الصراع على مصر ليس مجرد صراع بين ثورة وثورة مضادة أو بين قوى إسلامية وأخرى مدنية. فكل دول الثورات العربية فيها فلول وفيها أيضا انقسامات سياسية أفقية بين القوى الثورية، ومع ذلك فإنها تمر بفترات راحة تلتقط فيها الأنفاس ثم يتجدد الصراع، أما مصر فلا يكاد يمر أسبوع بل يوم وأحيانا ساعة دون أزمات. فى الصراع على مصر يلعب المتغير الخارجى دورا تكوينيا لأبعاد المشهد الداخلى الذى يتحرك فيه الفاعلون الرئيسيون، من أول الزيارات المتكررة للمسئولين الأمريكيين وأوامرهم ونواهيههم، وحتى العروض الإيرانية السخية لمصر بالقمح والسائحين والخبرة النووية، مرورا بالمال والإعلام الخليجى وشبح القاعدة.
تلك المقدمة لا بد منها لطمأنة الذين سيبادرون كالعادة بتعليق مسئولية تفجير سيناء الإجرامى على مشجب إسرائيل، بأن هذا الاحتمال وارد يحتمل التأكيد أو النفى، وإن كانت ثمة شواهد تضعفه أهمها برقية الرئيس التى رد فيها على تهنئة بيريز وأعرب عن حرصه على تكثيف الجهود من أجل استئناف عملية السلام وهذا يفترض فى رأيى التعاون بين الطرفين وليس التصادم، وقبل ذلك تأكيد مسئولين مصريين من تيار الأغلبية على أن مصر ستحافظ على تعهداتها الدولية بما فيها إتفاقية السلام، ثم أن أولوية إسرائيل على الأقل فى هذه المرحلة هى إيران وليست مصر، إضافة إلى العلاقة الطيبة جدا للقيادة المصرية الحالية مع الولايات المتحدة التى هى حلقة الوصل مع إسرائيل. لكن رغم ذلك كله فإن الاحتمال المذكور يبقى واردا، وأزيد أن ثمة احتمالا لتورط تنظيم القاعدة، كما أن هناك احتمال وإن بدا ضعيفاَ لضلوع أطراف حريصة على صرف الأنظار عما يجرى فى سوريا. إن حجم العبث بالأمن القومى المصرى فوق التصور، والبساطة التى نتكلم بها عن مخازن السلاح فى جبل الحلال من ليبيا وغير ليبيا مذهلة، والأمر لا يقتصر على تهديد أمن مصر من سيناء، بل هو يمتد إلى الوادى بل والعاصمة. وكمثال بسيط على ذلك فإنه منذ نحو شهرين يتم توزيع منشورات تنتسب إلى ما يسمى « بحزب التحرير ولاية مصر» فى محطات المترو وشوارع القاهرة، ومع حلول شهر رمضان انتشرت لافتات لحزب التحرير تتمنى لنا صوما مقبولا وخلافة على منهج النبوة. وحزب التحرير لمن لا يعرفه هو حزب أسسه الفلسطينى تقى الدين النبهانى فى عام 1953 فى القدس، وقضيته الأساسية هى الخلافة الإسلامية، وله عدة فروع فى دول عربية منها لبنان وإن كان محظورا فى معظم الدول العربية الأخرى. لكن مع انهيار المنظومة الأمنية فى مصر بعد الثورة سقطت كل المحظورات، وأعلن حزب التحرير عن نفسه جهارا نهارا، هكذا بعد أن ظل حزب كحزب البعث وغيره من الأحزاب العربية عاجزة عن أن توجد لنفسها موطئ قدم على أرض الكنانة تٌمهد هذه الأرض لتمدد أحزاب ما أنزل الله بها من سلطان.
احتمال المؤامرة الخارجية إذن قائم، لكن احتمال تنفيذ هجوم سيناء الإجرامى بأيدى الجماعات التكفيرية التى تنتشر فى سيناء هو أيضا احتمال وارد بل وكبير فى انتظار ما تكشف عنه التحقيقات. وسيرتكب الخبراء الاستراتيجيون والمستشارون السياسيون للرئيس خطيئة كبرى إن هم أقنعوه بأن جريمة سيناء محض تدبير من قوى الثورة المضادة لإفشال حكمه. أولا لأن القوى المضادة لا تحتاج إلى الذهاب لسيناء لأن ساحات الفعل متاحة فى كل محافظات الجمهورية. وثانيا لأن الحديث عن مشكلة حقيقية فى سيناء لا ينبع من فراغ فهناك تفجيرات متكررة لخط الغاز، وهجوم شبه دورى على الأكمنة والجنود، وغزوة العريش وخطط الإمارة الإسلامية، مع العلم بأن المُعلن عنه فى هذا الشأن قليل جدا « لدواع أمنية». وثالثا لأن فى لحظات الخطر الداهم تتراجع التناقضات الثانوية بين أبناء الوطن الواحد ومعنى هذا أن العملية الإجرامية فى سيناء تدفع لوقوف المصريين خلف مرسى لا فى وجهه. أما القول وماذا استفاد المنفذون إن كانوا أصحاب قضية حقيقية، فالرد هو أنهم لم يستفيدوا شيئا بل قتلوا سبعة عشر صائما وتسببوا فى انتهاك جديد للسيادة المصرية متصورين أن مدرعتين يمكن أن تهددان إسرائيل، وكم من السذاجة السياسية يدفع ثمنها البسطاء والوطن.
الرئيس مرسى فى وضع لا يُحسد عليه بتاتا، فهو ينتمى إلى فصيل إسلامى تنمو على حوافه فصائل جهنمية تتفاوت فى درجة غلوها الدينى وشططها وصولا إلى المكفرين فى سيناء، وهذا يدُخِل عنصراَ جديدا فى قضية أمن سيناء إذ يفترض أن يتصدى الحاكم الذى يمثل الدين العامود الفقرى لشرعيته السياسية، يتصدى لجماعات دينية اشتطت إلى حد التطرف والإرهاب دون أن ينال بذلك من مصدر شرعيته. ثم أن الرئيس مرسى خطا خطوات مهمة فى الانفتاح على غزة وقطع على نفسه تعهدات تتعلق بتخفيف القيود عند معبر رفح وتلك إجراءات طال انتظارها، لكنه فى مواجهة جريمة سيناء يحتاج إلى الموازنة بين توطيد العلاقة مع حماس استنادا إلى أسباب عديدة منها سبب الشراكة فى جذر تنظيمى إخوانى واحد وبين التصرف كرجل دولة مسئوليته الأولى حماية الأمن القومى المصرى , ولعل أسوأ ما كان يمكن تخيله هو شعور المواطن المصرى بأن ثمة انحيازا من قيادته السياسية لفصيل فلسطينى على حساب مصالحه الأساسية، ومن يدخل إلى مواقع التواصل الاجتماعى لا بد سيصيبه الهلع من حجم الهجوم على سياسة مرسى الفلسطينية بسبب الربط بينها وبين الانقطاع المتكرر للكهرباء. لم ينجح مبارك طوال حكمه فى الإيقاع بين الشعبين المصرى والفلسطينى، وسخر الكل منه عندما وصف المتظاهرين فى التحرير بأنهم من حركة حماس، وما لم يفلح فيه مبارك مستحيل أن يسمح به أحد بعد مبارك حتى ولو حسنت نوايا القائمين على صنع القرار.
الشفافية فى التحقيقات وكشف هوية الجناة خصوصا أن بينهم قتلى أمر له أولوية أولى، وتحديد المسئولية ومحاسبة المقصرين كى لا يمر هذا الحدث كما مر غيره أولوية ثانية، وبحث مستقبل الأنفاق على ضوء تحرير المرور عند معبر رفح وربما تطويره لأغراض تجارية أولوية ثالثة، ويبقى أن هذا كله لا قيمة له طالما لم تتم مراجعة الملحق الأمنى لاتفاقية السلام أو إضافة ملحق جديد يمكن مصر من بسط سيادتها على سيناء، فلا أمن بدون سيادة، ولن يقبل أحد بعد اليوم أن يتم الدفع بشباب مصر فى مهمة انتحارية لحراسة حدود لا يتحكم فيها الوطن.
أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة