صديق الصبا.. إخوانى

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الإثنين 9 ديسمبر 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

كأننى أنظر إلى نفسى فى المرآة فأبصر ما فعله بى الزمن الطويل عندما نظرت إلى صورة الدكتور أسامة إبراهيم رئيس جامعة الإسكندرية فى حواره مع صحيفة الأهرام يوم الجمعة الماضى. زاوية الصورة ربما، أو ربما حجمها، بل إنه واقع الأمر نفسه ما أعطانى إحساساً ثقيلاً بكل هذا العمر الذى تركناه من خلفنا أنا وهو.

تعرفت على أسامة فى رحلة أوائل الثانوية العامة فى عام 1974، كان هو أول القسم العلمى وكنت أولى القسم الأدبى، ورأيته عدة مرات فى لقاءات احتفالية بالطلاب المتفوقين مع عدد من كبار المسئولين، لكنى عرفته عن قرب فى كلية فيكتوريا بالإسكندرية، وكنا نحو عشرين طالبة وطالبا قد بتنا ليلتنا فى تلك الكلية لنستعد لركوب الباخرة صباح اليوم التالى فى بداية رحلة رائعة كانت تنظمها جريدة الجمهورية تبدأ من لبنان وتمر بسوريا وتركيا وبلغاريا ورومانيا ويوغوسلافيا وتنتهى بإيطاليا. وفى تلك الليلة التقطت أول ملمح من ملامح شخصية أسامة: المرح دونما سخرية من الآخرين. كان بعض الطلاب الأشقياء قد حركوا فراش أحد أوائل التعليم الثانوى الفنى ونقلوه من الغرفة إلى البهو وهو مستغرق فى نومه، حتى إذا صحا وراح يستفسر فى هلع عما جرى انفجر الطلاب فى الضحك ولم يضحك أسامة.

•••

فى أيام وليال تالية التقطت لمحات أخرى من شخصيته، فهناك لقطة ونحن نتواعد على قراءة أجزاء من القرآن ونتمم على بعضنا فى الصباح لنتأكد أننا جميعاً وفينا الوعد، كنا نتلو القرآن ونغنى أيضاً «الدنيا ريشة فى هوا». أسامة شخصية متوازنة، منفتحة غير منغلقة، له معى صور والكل يلبس الملابس الصوفية الثقيلة ويحتضن بين ذراعيه حملاً من التفاح الأخضر قطفناه من أشجار التفاح فى بلجراد لنتسلى عليها حين نذهب إلى غرفنا. وله معى ذكرى هو وكل زملائه الطلاب يحرسون كبائننا نحن الطالبات حتى نأوى إلى الفراش فى سلام، فقد كان الأمن التركى لا يفتأ يقتحم كبائن القطار الذى نركبه ليفتش عما إذ كنا نهرب شاياً فى أمتعتنا، كان محظوراً إدخال الشاى إلى تركيا، وكنا ننام ملء جفوننا لأن فى الخارج عيون تحرسنا. كان يعرف معنى الصداقة ويقدرها.

•••

فتحت هذه الرحلة عيوننا أو عينى أنا على الأقل على حقيقة بديهية لكنها كانت مفاجئة بالنسبة لى . كنت أتصور أن منطق العمر يقضى أن يفارق الحياة الأكبر سناً فالأصغر ثم الأصغر. لكن فى هذه الرحلة عرفت أن ليس للأمراض عمر، وفى كل مرة كانت زميلتنا خديجة تحقن نفسها بحقنة الأنسولين كنت أتحسس وخز الإبرة فى ذراعى، ومن بعد اختطف الموت فاطمة الثالثة على القسم العلمى وكانت صدمة.

عندما انتهت رحلة الأسابيع الثلاثة كانت عُرى الصداقة قد توطدت بيننا، تبادلنا أرقام الهواتف (الأرضية طبعاً) وتواريخ الميلاد، وحافظنا لعدة سنوات على تبادل التهنئة بأعياد ميلادنا. وعندما زار أسامة ابن الإسكندرية القاهرة وأنا بعد فى كلية الاقتصاد عّرج عّلى للسلام، كانت سعادتى لا توصف فصداقتنا باقية وقيمنا مشتركة، والسياسة لعنة الله عليها بعيدة عنا كل البعد. لكن شيئاً فشيئاً جرفتنا الحياة فى أمواجها، ونسينا تواريخ الميلاد، وصار الاتصال التليفونى أسهل كثيراً لكن لم نعد نتصل.

•••

قبل عدة سنوات التقيت أسامة مصادفة فى أتوبيس مطار القاهرة قادمين من باريس، عرفت أنه صار طبيب عيون عالمى كثير السفر والترحال وأن لديه مركزا متخصصا فى زراعة القرنية، كنت فخورة به وعادت إلى بعض الذكريات، تبادلنا البطاقات لكن لم نتصل.

الآن وأسامة يتعرض لحملة ضده لأنه ينتمى للإخوان وشارك كما صرح بنفسه فى تأسيس حزبهم، لا أستطيع، لا أملك، لا أقتنع بأن هذا الإنسان يمكن أن يضر ويؤذى بغض النظر عن انتمائه، أقولها وأجرى على الله. هو تغير كما تغيرنا جميعاً، وانغمس فى السياسة كما انغمس الكل، صار ضد 30 يونيو وصرت مع 30 يونيو، لكن قيم الخير والرجولة والتدين السمح واحترام الآخرين التى يجسدها هذا الإنسان فى مخيلتى منذ أربعين عاماً مازالت تقاوم التغيير، فيما الإخوان يعربدون فى جميع أنحاء الوطن.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved