كلنا وائل غنيم
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الخميس 10 فبراير 2011 - 10:20 ص
بتوقيت القاهرة
فجر وائل غنيم بصدقه وعفويته ودموعه فى لقاء العاشرة مساء كل ما تبقى فى نفوسنا من مشاعر غضب كنا نتصور أننا استنفدناها بالكامل من هول ما شاهدناه على مدار الأسبوعين الماضيين. شريط فيديو يصور القتل غيلة لمتظاهر أعزل فى أحد شوارع الإسكندرية ولا يَقتل فى الظهر إلا جبان. جثة متظاهر تجثم عليها بوحشية فائقة عربة أمن مركزى فترسم حولها دائرة واسعة من الدم والعار. وجوه ملائكية لشباب لهم ملامح أبناء لنا وأخوة وفى خلفيات صورهم ماء وخضرة ونور وكأنهم يتواصلون معنا من جنات عدن حملتهم إليها الشهادة من أجل وطن حر.
طبيب مسجى على فراشه مشلولا لأنه ظن أن من قذفوا المتظاهرين بالمولوتوف تركوا باب التوبة مواربا أمام أنفسهم فهرع لإسعاف الجرحى فى ميدان التحرير، ولم يكن يعلم أن الجناة المأجورين لا يتوبون فإذا هم يقنصوه هو نفسه. مشاهد تنطق الحجر وتدمى القلب َتصورنا يا وائل أنها سحبت كل رصيدنا من الغضب فإذا بشهادتك الصادمة تودع فى حسابنا المزيد و تمد حبل الدموع على الغارب ما بين عينيك ومآقينا.
فى لحظة واحدة امتلأ الفيس بوك بصورتك ومقاطع من حوارك وبعبارات التصميم على المضى فى الطريق حتى النهاية. كان البعض يحتاج إلى شحنة عاطفية كتلك التى فجرتها فى شرايينه حتى يجدد حماسه ويفسد على النظام لعبة كسب الوقت فيغلق جهاز التليفزيون ويلتقط أقرب كوفية وينطلق إلى ميدان التحرير. لستَ فى حاجة إلى أن تبرئ ذمتك من خيانة الوطن يا وائل، فالخونة هم من يطلقون على شعبهم المجرمين بالسيوف والخيول و الإبل.
الخونة هم من يترصدون ذاكرة هذا البلد فيهرعون منذ البيان رقم 1 إلى المتحف المصرى ليسرقوه فيفشلوا فيدقوا عظام مومياواته فيوقفوا ثم يحرقوه فيُمنعوا.
الخونة هم من يبيعون ولاءهم لنظام بعد نظام فيتغنون اليوم بثورة 25 يناير بعد أن وصفوها قبل أسبوعين بمؤامرة من الداخل والخارج على أمن مصر، وعناوين جرائدهم تفضح زيفهم.
أما أنت يا وائل الذى تُسَخر جهدك بنكران مطلق للذات من أجل تعبئة الملايين خلف هدف الثأر لمقتل خالد سعيد دون ذنب جناه، أنت القابض على هويتك الوطنية وجواز سفرك الأخضر ولا شئ سواه، أنت من تقطع آلاف الكيلومترات لتتظاهر مناديا بالحرية والكرامة فتُخطف وتُعصب عيناك وتُعزل عن أهلك وناسك وحال بلدك ثم تخرج لتقول إنك لم تعان، أنت وأمثالك ممن تناضلون لإنقاذ مصر من براثن أصحاب الشعور المصبوغة والوجوه الجامدة ومبدأ أنا ومن بعدى الطوفان فإنكم تقدمون نموذجا فذا للوطنية المصرية الخالصة.
السر فى حدوتتك الرائعة يا وائل جملة قصيرة من كلمتين : الإرادة والخيال. فلو لم تكن لديك الإرادة لما اقتنعت بأن نضال الكى بورد قادر على مواجهة بلطجة راكبى الجمال والخيول، لكنك وأمثالك واجهتم نظاما عنيدا عنيفا راسخا وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله.
ولو لم تملك الخيال لما تصورت أن ثورة شباب الفيس بوك يمكن أن تتحول إلى ثورة شباب مصر ثم إلى ثورة كل مصر بأطيافها و ودياناتها ورجالها ونسائها، ولما أثبت أن شباب الفيس بوك هم فعلا ليسوا شباب مصر كما قال أحد رموز النظام السابق لكنهم فى واقع الأمر هم مصر نفسها.
من حقك يا وائل أن ترفض شعار الحزب الوطنى وسياساته وألا تنطلى عليك لعبة الكراسى الموسيقية فيما بين قياداته، فالاستمرار لا ينفع مع التغيير وفاقد الشئ لا يعطيه. ولسوف يأتى على مصر يوم قريب يصير فيه الحزب الوطنى كحزب البعث فى العراق بعد الاحتلال يلفظ فيه الناس كل من انتمى إليه وتسلق على أكتافه وتربح منه، ثم من بعد يقتصدون فى إطلاق صفتى الوطنية والديمقراطية على أى حزب ناشىء.
أبكيتنا يا وائل وأدميت قلوبنا لكنك جددت دماءنا وكونت طابورا طويلا من شيوخ الفيس بوك يناضلون مع شباب مثلك بالكى بورد، نضال لم يألفوه ولا نشأوا عليه من قبل لكنه تجاوز كل وسائلهم العتيقة وأثبت أنه أقوى من أى سلاح.