عروبة مصر
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الخميس 10 أبريل 2014 - 8:00 ص
بتوقيت القاهرة
نيفين مسعدكنت فى زيارة قصيرة لبيروت فى الأسبوع الماضى عندما طرح على ثلاثة أصدقاء فى مناسبات مختلفة السؤال التالى: هل قرأت المقال المهم لكمال خلف الطويل اليوم (1 أبريل) عن عروبة مصر فى جريدة الأخبار (اللبنانية)؟ تكرار السؤال من جهة، وأهمية الموضوع المثار من عديد من المثقفين العرب وخصوصا القوميين منهم من جهة أخرى دفعانى لقراءة المقال والتعليق عليه.
•••
بداية فإن كمال خلف الطويل لمن لا يعرفه هو طبيب فلسطينى استقر به المقام فى الولايات المتحدة منذ نحو أربعين عاما، وهو شخص لاشك فى إخلاصه لفكرة العروبة وهى الفكرة التى وطدت صداقتى به منذ سنوات طويلة فى إطار المؤتمر القومى العربى. حَمَل مقال الطويل عنوانا استفهاميا هو: مصر هل ذات صلة؟ يقصد بذلك الاستفسار عما إذا كانت لمصر صلة بالعروبة، وذلك أن الفكرة الأساسية للمقال هى أن عروبة مصر ارتبطت ابتداء وانتهاء بشخص الزعيم جمال عبد الناصر الذى أدرك أن حقائق التاريخ والجغرافيا لا تحتم فقط أن تكون لمصر صلة بالعروبة، بل أن تكون ضابطة إيقاعها بامتياز.
ومع أن الطويل لم ينكر أن ثمة دلائل على سياسة مصر العربية قبل عبد الناصر كما فى القيام بالدور للأساس فى تكوين جامعة الدول العربية وفى إرسال الجيش المصرى إلى فلسطين عام 1948، إلا أنه ربط هذا الدور بتنافس النظام الملكى فى مصر مع نظيره الأردنى على الشام عموما وفلسطين خصوصا، من دون أن ينسى بالطبع الإشارة لدور بريطانيا فى تسويق فكرة الجامعة العربية. أما بعد عبد الناصر فلا أثر للعروبة ينعكس على سياسة مصر الخارجية بدءا من الصلح المنفرد مع إسرائيل، مرورا بالموقف من عدوان قوات التحالف على العراق عام 1991، وانتهاء بحصار غزة. وفى انفعال الطويل بالتأكيد على أهمية عروبة مصر استخدم عبارات قاسية من نوع أن مصر بدون العرب مجرد صفر أو فى وزن الريشة أو تجلس فى مقاعد الترسو.
•••
لا يجادل أحد فى أن حكم الرئيس عبد الناصر مثّل ذروة الدور العربى لمصر لأنه كان ينطلق من رؤية استراتيجية وكان رهانه الأساسى على الشعوب لا الحكام. لكن فى الوقت نفسه فإن ثمة خصائص بنيوية فى السياسة الخارجية المصرية من المهم التأكيد عليها وعدم المرور عليها مرور الكرام، ففى 1957 أرسل عبد الناصر قواته لمؤازرة سوريا فى مواجهة الحشود التركية على الحدود وهو قرار كان له مفعول السحر لدى المواطن السورى ومهد لقرار الوحدة فى 1958. وفى 1973 دخلت مصر وسوريا حرب أكتوبر معا وفق خطة مشتركة وفى ساعة صفر واحدة ولولا عناد السادات وعدم استجابته لنصيحة الفريق سعد الدين الشاذلى فى التعامل مع الثغرة لتغيرت أمور كثيرة، لكن السادات كان يحارب لتحقيق نجاح جزئى يساوم به فى مفاوضات سياسية وكان له ما أراد. وفى 1998 حين لوحت تركيا بعمل عسكرى ضد سوريا ردا على استضافة عبدالله أوجلان تدخل مبارك لإقناع الرئيس حافظ الأسد بالتخلى عن أوجلان وقد كان، وقُبض على الزعيم الكردى فى كينيا. ومع أن معلومات كافية لا تتوفر عما سأورده بخصوص المؤتمر الذى عقده محمد مرسى تحت مسمى مؤتمر نصرة سوريا إلا أن هناك ما يشير إلى أن سياسة مرسى تجاه الصراع فى سوريا وقراره قطع العلاقات معها وتشجيع ما يسمى بالجهاد ضد نظام بشار الأسد كان القشة التى قصمت ظهر حكم الإخوان.
•••
لم يكتشف عبد الناصر عروبة مصر لأن هويات الأمم والشعوب تفرض نفسها على الحكام الزائلين بطبيعتهم. وقد كتب المؤرخ الكبير الدكتور يونان لبيب رزق عن اعتمال الساحة المصرية بالعديد من المؤتمرات العربية للأطباء والأدباء والموسيقيين التى كانت تمثل إرهاصات الوعى بأن ما بين شعوب هذه المنطقة من العالم يستحق أن يتبلور ويتخذ الشكل المؤسسى، ومن هنا كانت مبادرة بريطانيا لسحب البساط باقتراح فكرة الجامعة العربية. فى مصر أسس أول وأكبر صحفها أى «الأهرام» الأخوان تقلا النازحان من لبنان. وعلى مسارح مصر وقف الريحانى العراقى وصدح فريد وأسمهان السوريان. حل بمصر العلامة عبد الرحمن الكواكبى فرارا من اضطهاد السلطان العثمانى الذى جرده من نقابة الأشراف، فنشر كتابيه الأشهر «أم القرى» و«طبائع الاستبداد». وفى مصر عاش أحد أبرز علماء العراق ابن الهيثم الذى ترك من ورائه ذخيرة من المؤلفات العلمية خصوصا فى مجال الضوء. وعندما فكر أبو خلدون ساطع الحصرى فى إنشاء معهد عالٍ للبحوث والدراسات العربية عام 1952 اختار القاهرة مقرا له لتكوين كادر من الشباب الواعى بقضايا أمته. مصر عربية قبل عبد الناصر وبعد عبد الناصر، ولو صح ما قاله الدكتور كمال الطويل عن أن إعلام السادات «صب الدماغ الجمعى المصرى فى قالب أن السلام هو الحل» لما وجدنا بعد اغتيال السادات بأكثر من ثلاثين عاما نفرا من الشباب يتسلقون البناية العالية التى تقع سفارة إسرائيل فى طابقها الأخير فينزلون علم الكيان الصهيونى ويرفعون علم مصر. حدِثنى د. كمال عن نسب السياحة والعمالة المصرية فى إسرائيل وكم تشكل من مجموع الـ 90 مليونا الذين لم ينجح معهم غسيل الدماغ. أما اختزال القضية الفلسطينية فى قطاع غزة، وغزة فى حركة حماس، واختصار حماس فى فرع التنظيم الدولى للإخوان المسلمين فلا يخدم إلا إسرائيل. انتقد ما شئت ونحن معك إجرام قوات التحالف وعدوانها على العراق عام 1991، لكن لا تنس أن موقف مبارك من رفض احتلال العراق للكويت هو موقف الزعيم عبدالناصر نفسه من رفض تهديدات عبد الكريم قاسم للكويت فى عام 1960، ذلك الرفض الذى تشكلت على خلفيته قوات سلام عربية، فمبدأ احتلال دولة عربية لأخرى رفضه كلاهما لكن آلية تصحيح الوضع اختلفت لأن مبارك قطعا ليس عبد الناصر.
إن مصر لا تملك أن تكون «غير ذات صلة بعروبتها» وليس من مصلحة أحد من الغيورين على تلك العروبة إثارة الشكوك من حولها، فلنتعاون معا من أجل تفعيل السياسة العربية لمصر بدلا من أن ترود خصوم عروبتها بما يدعم منطقهم.
أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة