وتمردت هانم
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الإثنين 10 يونيو 2013 - 9:10 ص
بتوقيت القاهرة
على قارعة الطريق تجلس هانم تعرض الخضر الطازجة فى سلال بالية وتغطيها فى الصيف وقت الظهيرة بقطع من الخيش المبلل. أول مرة عرفت فيها هانم وجدتها تهرول هربا من مطاردة عساكر البلدية وتصيح فى أعوانها بصوت جهورى أن اجمعوا السلال وخبئوها فى الحديقة.
لكن هذا المشهد كان قبل الثورة، أما الآن فإن هانم تفترش المكان فى أمان وسكينة، وتجارتها التى بدأت بسلة ليمون كما أخبرتنى لاحقا توسعت بفضل أمانتها وشملت ثمارا مختلفة ألوانها، أما الحديقة الخلفية التى تستظل بظلالها فحولتها هانم إلى مخزن لبضاعتها.
هانم امرأة فى مطلع الأربعينيات، منذ رأيتها وهى لا تخلع جلبابها الأسود، تربط شعرها بإيشارب أسود صغير تزيحه قليلا إلى الوراء فتتدلى خصلة برتقالية هى ناتج امتزاج اللون الأسود مع الأوكسجين. ومع أنه لا وجه للشبه بين هانم وبين شخصية هنومة فى فيلم يوسف شاهين «باب الحديد»، إلا أنها كانت تعطينى انطباعا بأنها وهنومة شخص واحد، الأرجح أن السبب فى ذلك هو قوة شخصية المرأتين.
•••
قبل نحو أسبوع مررت بهانم أشترى منها كالعادة بعض الخضر فتفرست فى وجهى وعاتبتنى قائلة: يا دكتورة لم أعد أستطيع مواجهة جيرانى فى الحى (هى تسكن فى الدويقة).
يعايروننى بأن شخصيات مهمة تتردد علَى، ومع ذلك لم يعطنى أىُ منهم تلك الاستمارة التى سوف تطيح بمرسى!. أضحكتنى تلقائية هانم فى زمن عز فيه الابتسام، ورددت عليها مداعبة، لست واثقة من أن الورقة التى تتكلمين عنها ستطيح بمرسى لكنها بالتأكيد ستدلل على أن من يعترضون على سياساته فى تزايد مستمر. غدا تكون لديك 100 استمارة تمر....
لم تتركنى أكمل وقاطعتنى قائلة: خليهم 200! كلما ألمَّ بأمثالى اليأس من مآل الثورة ومسارها، تظهر أمثال هانم فى الأفق لتفتح لنا طاقة أمل. لولا هذه الثورة ما بحث أهل الدويقة عن حقهم فى المشاركة، ولولاها ما علموا أصلا بوجود استمارة تمرد، ولولا حكم الإخوان لظن البسطاء من الناس أن الجماعة تحمل فعلا الخير لمصر. نعم يستقون كثيرا من معلوماتهم من قناة الفراعين، لكنهم يبحثون عمن يتحدث بلغتهم لا عمن يستخدم ألفاظ الأدلجة والأخونة والشرعية. ووسط كثير من الغث يلتقطون شيئا ثمينا.
•••
كان العهد بينى وبين هانم أن ترن لى حين تستوفى توقيع استمارات تمرد، ولذلك حين ومض اسمها على الشاشة أدركت أنها أنجزت مهمتها بنجاح. عرجت عليها عصر أحد الأيام فى طريق عودتى إلى المنزل فاستقبلتنى مهللة، أحست هانم أنها تؤدى واجبا وطنيا، ولا شك أن أهل الحى تعاملوا معها باعتبارها متصلة بالناس اللى فوق، والحق أنها وأنا لسنا أكثر من وسيطين للتنفيس عن طاقة الغضب الشعبى التى تعبئ سماء مصر ولا تفرق بين المقتدر ومن لا يملك قوت يومه.
كانت الاستمارات الموقعة محفوظة بعناية فى كيس أسود كالح من الأكياس التى تبيع فيها هانم بضاعتها للزبائن، أخرجته من سلة خاوية إلى جانبها وسلمتنى الاستمارات مستفهمة: عندك تانى؟. أجبتها بقدر ما يستعد المصريون للتمرد سيكون هناك المزيد من الاستمارات الجاهزة للتوقيع يا هانم.
أما المشهد الذى لن أنساه ما حييت فى قصتى الصغيرة مع هذه المرأة المكافحة فكان حين هممت بأن أدس مبلغا من المال فى قبضتها تقديرا لتعبها فأوقفتنى نظرة عتاب فى عينيها المكتحلتين قبل أن تقول: إن حاسبك أحد على ثمن الاستمارات المصورة حاسبينى أنت على توزيع الاستمارات. سحبت يدى وهمست لها بصوت خفيض: حسابنا يجمع عند الوطن يا هانم، ومضيت