التاريخ البديل
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الخميس 10 أكتوبر 2013 - 8:00 ص
بتوقيت القاهرة
من صاحب هذه الفكرة الشيطانية لتحويل يوم 6 أكتوبر من مناسبة وطنية جامعة إلى يوم للاحتراب الداخلى؟ من الذى خطط لتغيير بؤرة الحدث الجلل فى الذاكرة التاريخية المصرية من معركة لاسترداد الأرض إلى محاولة مستميتة للعودة لكرسى الحكم؟ من كان يفتش عن خالد إسلامبولى جديد يخضب وجه الوطن بالدماء ثم يطلق اسمه على أحد الشوارع الرئيسية فى الدوحة أو أنقرة؟ من يسعى إلى التأسيس لتاريخ بديل فى ذكرى يوم العبور؟
محاولة صرف الانتباه عن معجزة العبور ليست جديدة، فعلها من قبل تنظيم الجهاد باقتحام مديرية أمن أسيوط وقتل 181 شخصا فى الذكرى الثامنة لحرب أكتوبر، ومنذ ذلك التاريخ أصبح لاحتفالات أكتوبر رافد دموى، صحيح لم ينجح فى طمس الحدث الأكبر والأهم، لكنه لم يغب عن الذاكرة. وفى العام الماضى جرت محاولة أخرى لخلط الأوراق بإشراك قتلة السادات فى الاحتفال بنصر أكتوبر فيما توارت أسرة الرئيس السادات عن المشهد بالكلية، نزع جلال العبور من خطاب الدكتور محمد مرسى رئيس الجمهورية فى حينه وانهالت علينا أرقام تصور إنجازات الحكومة بعد 100 يوم عمل إلى حد الحديث عن جهودها فى مكافحة القمامة!. ورغم كل ذلك فإن محاولات الماضى القريب لصنع تاريخ بديل لذكرى أكتوبر شيء، وما جرى فى الأيام القليلة الماضية فى الاتجاه نفسه شىء مختلف بالكلية.
●●●
دعاية أقرب إلى الجنون أطلقها ذلك « الفصيل الوطنى» قبيل ذكرى السادس من أكتوبر وفى أثنائها لإزاغة الأبصار وإعادة رسم خريطة الأحداث والفاعلين، دعاية يقطر منها الغِل وترفع شعار « أنا ومن بعدى الطوفان». كانت نقطة البداية هى محاولة شق صف الجيش المصرى بالتمييز بين قيادات عسكرية مقاتلة بالمعنى الحرفى والحصرى للكلمة، وبين قيادات عسكرية دخلت حلبة السياسة سواء قدر لها أن تقاتل أم لا. وفى هذا السياق تصدرت معظم مواقع الإخوان ومن والاهم صور أربعة من كبار رموز الجيش المصرى هم: محمد نجيب وعبدالغنى الجمسى ومحمد أبو غزالة وسعد الدين الشاذلى، وذلك باعتبارهم يجسدون شرف العسكرية المصرية خير تجسيد، وبكل تأكيد هم كذلك لكن من المؤكد أيضا أنهم لا يحتكرون وحدهم هذا الشرف. ومن هنا غابت عن لوحة الشرف أسماء كبيرة كثيرة مثل محمد فوزى وأحمد اسماعيل على وفؤاد عزيز غالى وغيرهم مئات من القادة العسكريين العظام وآلاف الجنود البواسل، تلك واحدة. والأخرى أنه يبدو غريبا استحضار نموذج اللواء محمد نجيب بمناسبة ذكرى حرب أكتوبر التى لا صلة له بها من قريب أو بعيد، فإن كان المقصود أنه مثل سابقة بدعوته لعودة الجيش لثكناته فإن فى هذا الأمر كثير يقال، فلولا أحس نجيب بالخطر عليه وأن استبعاده قادم فى الطريق ما كان قد دعا إلى إبعاد الجيش عن السياسة.
بعد ذلك انتقل «الفصيل الوطنى» إلى التشكيك فى نصر أكتوبر بالتركيز على ثغرة الدفرسوار، يريد بذلك أن يقول بأى شىء تحتفلون وقد حاصر جيش الاحتلال قوات الجيش الثالث الميدانى؟.. دع عنك هذا المنطق المريض الذى يتشفى فى أى خسارة للوطن، فإن فتح الثغرة لا يلغى معجزة العبور، ومع أن تجاوز السادات هدفه المبدئى المتمثل فى تحرير ما بين 10 كم إلى 12 كم شرق القناة ينظر إليه كثيرون بوصفه خطأ استراتيجيا، إلا أن عوامل مختلفة ساهمت فى تعديل توازنات القوة على الأرض أبرزها الدعم الأمريكى لإسرائيل. أما أغرب محاولات تشويه نصر أكتوبر، فهى اتهام الجيش المصرى بأنه «جيش «كامب ديفيد»، وما كنت أظن أن نظام الإخوان متبرم من تلك الاتفاقيات وهو الذى تمنى على لسان رئيسه الازدهار لدولة إسرائيل، فهل من ازدهار بدون سلام؟!!
●●●
وبعد الاختزال والتشكيك توقف «الفصيل الوطنى» إياه أخيرا أمام ربط مسار الصراع العربى ــ الإسرائيلى بمسار علاقة نظام الحكم فى مصر بالإخوان. وهكذا ذهب البعض إلى أن صدام عبدالناصر مع الإخوان فى 1954 أدى إلى العدوان الثلاثى على مصر فى 1956، وتجدد صدامه معهم فى 1965 أسلمنا إلى هزيمة 1967، وانفتاح السادات على الإخوان أدى إلى نصر أكتوبر 1973، فترى ماذا يكون عليه مستقبل مصر بعدما دخل الإخوان فى أكبر مواجهة مفتوحة لهم مع النظام منذ 3 يوليو 2013؟، هكذا هم يسألون. نلاحظ هنا أن الرغبة المحمومة فى تشويه نصر أكتوبر أسلمت «الفصيل الوطنى» إلى التعامل مع الحدث بالمنطق وعكسه فى الوقت نفسه. فهو هزيمة أو فى القليل نصف نصر بسبب الثغرة وهذا تقليل من قيمة المؤسسة العسكرية بإحراجها حتى فى مجال تخصصها الأصيل: حماية حدود الوطن والدفاع عن الأمن القومى. لكنه أيضا نصر لأن السادات عندما أراد ضرب اليسار بالتيار الإسلامى سمح له بحرية الحركة فى الجامعات وأخرج أعضاءه من المعتقل. أى أن 6 أكتوبر هزيمة ونصر، الهزيمة فيه مسئولية الجيش المصرى والنصر فيه من فضل الإخوان!!
سيبقى السادس من أكتوبر نقطة ضوء فى تاريخ مصر والعرب ولن ينجح أحد فى أن يطمسها أو يحرفها، ففى كل بيت مصرى زوج أو ابن أو حفيد أو أخ يحفظ ذكريات هذا اليوم إن لم يكن بالمشاركة فعن طريق الحكى، وسيظل لمعجزة العبور تاريخ واحد فعلى كل من ينتمى «للفصيل الوطنى» أن يعيه ويقبله، وإلا كالعادة فإن كل زبد سيذهب سدى.
أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة