حكاية الأستاذ حسن
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الإثنين 10 ديسمبر 2012 - 9:00 ص
بتوقيت القاهرة
قطعة قماش بيضاء تتدلى من شرفة بالطابق الثانى فى البناية المجاورة لى مكتوب عليها باللون الأسود وبخط واضح لا يمكن أن تخطئه عين «ثورة تانى من جديد». إلى هنا وليس فى الأمر شئ جديد، فالعبارة المكتوبة على اليافطة البيضاء هى الشطر الثانى من ذلك الهتاف الشهير الذى سمعته عدداً من المرات لا أدرى كم على وجه التحديد فى كل المسيرات التى مشيتها وجميع المظاهرات التى خرجت فيها، يقول الهتاف «وحياة دمك يا شهيد ثورة تانى من جديد». الهتاف ليس جديداً، إنما الشرفة التى علق عليها هذا الهتاف هى الجديدة بالكلية.
•••
خلف الزجاج الفيميه لهذه الشرفة تعيش أسرة من الطبقة الوسطى محافظة بطبيعتها، قليلة الاختلاط مع الجيران وأهل الحى، رب الأسرة مهندس على المعاش وزوجته وكيلة بإحدى المدارس الثانوية التجريبية ولديه ابن وابنة تزوجا قبل نحو عامين وغادرا الشقة والحى. فى كل المرات التى رأيت فيها جارنا الأستاذ حسن وتبادلت معه تحية الصباح والمساء، لفت نظرى هندامه الرسمى المنمق، لا أتذكر مرة أننى رأيته يرتدى الجينز أو الحذاء الرياضى فى أيام الإجازات أو عند صلاة الجمعة، دائماً زيه أقرب إلى الرسمية حتى حين يكون خارج ساعات العمل. حذر بطبيعته لا يترك سيارته قط إلا بعد أن يٌتمم على أبوابها الأربعة ويتأكد أنها جيدة الغلق، كتوم لا تدل متعلقاته على دينه أو اتجاهه السياسى أو النقابى، هو يعيش كما يعيش كثير من المصريين.
قبل عام بالتمام والكمال قام الأستاذ حسن بخطوة جبارة عندما استوقفنى عصر أحد الأيام وقدم لى نفسه، لم أكن أعرف أن اسمه حسن، وطلب منى أن أنظم ندوة (هكذا أسماها) لمن يرغب من أهل الحى حتى يتمكنوا من المفاضلة بين البرامج الانتخابية للمرشحين عن دائرة النزهة، واستجبت له. بعدها انقطع الاتصال بينى وبين جارى وأسرته، لكن كلما مر بذاكرتى أو طريقى وددَت لو أعرف كيف يتعامل هذا المسكين مع التطورات السياسية المتلاحقة ومن عساه يساعده من أهل الحى على مواجهتها، لكنى لم أبادر بالسؤال.
•••
فى يوم الثلاثاء 27 نوفمبر الماضى الذى أطلقت عليه المعارضة اسم «للثورة شعب يحميها» كان ميدان التحرير على آخره، عربات البطاطا والفول السودانى انزوت جانباً بعدما أجبرتها الحشود المتدفقة على أن تفتح لها الطريق، أكياس غزل البنات المرتفعة فى أيدى الباعة الجائلين مثلت علامات إرشادية نتعرف بها على بعضنا البعض مع استحالة التواعد والتقابل فى ظل كل هذا المهرجان من الأزياء والبشر. كنت أشق مسارى بصعوبة بالغة عندما سمعت صوتاً جهورياً عبر الميكروفون يهدر بسؤال: من يأتى منكم اليوم إلى الميدان لأول مرة؟ ارتفعت على الفور أذرع كثيرة لرجال ونساء من كل الأعمار والطبقات حتى بدت وكأنها فروع أشجار باسقة فى حديقة غناء مختلفة ألوانها. حانت منى التفاتة إلى يمينى فوجدت جارى الأستاذ حسن بشحمه ولحمه، تهللت ملامحى واستبشرت خيراً بلقياه فلا بد أن الله مبدل هذه الأمة بعد عسرها يسراً بوصول الثورة إلى الآلاف من أمثال هذا الرجل. ناديته متسائلة: أول مرة يا أستاذ حسن ؟ فانتبه الجار الثائر وألمّ به خجل مفاجئ لأننى ضبطته على الأرجح متلبساً بفعل غير اعتيادى وبزى كاجوال تماما فرد متلعثماً : باين على مش كده ؟. هون عليك أيها الرجل الطيب فكلنا محدثو ثورة، كما أن الثورة بحكم التعريف هى فعل تاريخى استثنائى. عندما تعالت الهتافات واهتز الميدان بالواحد منها تلو الآخر : ثورة ثورة حتى النصر ثورة فى كل شوارع مصر، يا شهيد نام وارتاح واحنا نكمل الكفاح، إعلان دستورى باطل، عندما تعالت هذه الهتافات لم يشارك فيها الأستاذ حسن، وأظنها خطوة متقدمة لم يحن بعد أوانها، لكن لا بأس لأنه كان قد وضع قدمه على طريق الألف ميل.
•••
باعدت الحشود المتلاطمة المسافة الفاصلة بينى وبين جارى وصنعت لكل منا مساراً مختلفاً، وفى أول مرة التقيته بعد نهار 27 نوفمبر بدا أكثر ألفة وكأننا كنا نحتاج إلى الثورة كى تشعرنا بمعنى الجيرة. أيها الشباب ماذا صنعتم بنا نحن الجيل الأسن حتى نلحق بكم تباعاً ونهزم خوفنا وندرك أن الثورة هى مفتاح الاستقرار ؟ كيف استدرجتمونا إلى غلالة الغاز المسيل للدموع وقنابل الدخان فدخلناها بكامل إرادتنا واكتشفنا فيها آدميتنا واستعدنا مشاعر العزة والكرامة ؟ كل حسن ثائر هو صنيعتكم، و الثورة أنتم أملها مهما اعترانا اليأس، وما أكثر ما يعترينا هذه الأيام.