أسئلة تونسية (2) شگل نظام الحگـم

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 12 يناير 2012 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

قبل أسبوعين كتبتُ فى هذا المكان عن سؤال الهوية الذى فرض نفسه على الثورة التونسية وكيف تعاطت معه، واليوم أتناول سؤالا آخر هو ذلك المتعلق بشكل نظام الحكم المعمول به حاليا فى تونس. والحكمة من النظر إلى الأسئلة التونسية وإجاباتها أنها هى ذاتها الأسئلة المثارة فى كل دول الربيع العربى ومصر فى عدادها.

 

 

فى 10 ديسمبر 2011 تمت المصادقة على القانون المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلطات العمومية فى تونس وذلك بعد موافقة 141 عضوا من أعضاء المجلس التأسيسى الـ217، علما بأن 37 عضوا رفضوا القانون وامتنع عن التصويت 29 آخرون. القانون المشار إليه ينظم العلاقة بين السلطات الثلاثة لحين وضع دستور تونس الدائم وانتخاب البرلمان ورئيس الجمهورية.

 

وعلى مستوى المضمون فإن هذا القانون يؤدى بعض مهام الدساتير الحديثة، الأمر الذى حدا ببعض المحللين بينهم تونسيون إلى تسميته بالدستور الصغير. لكن اقتصار هذا القانون على تنظيم دولاب العمل لفترة مؤقتة وعدم تطرقه للأبواب المتعارف عليها كالمبادئ العامة والحقوق والواجبات والسياسة الخارجية، كل ذلك ينفى عنه صفة الدستور. على صعيد آخر، فإن الأسئلة المهمة التى ترتبط بهذا القانون كثيرة، وهى تتعلق بطبيعة نظام الحكم المنصوص عليه وإلى أى مدى سوف يستمر فى الدستور الدائم.

 

 

ينبثق عن القانون المذكور نظام حكم هجين يمزج بين النظامين البرلمانى والرئاسى مع تعديلات تونسية معينة لصالح النظام البرلمانى. يعتبر فريق من التونسيين هذا التحوير ثمرة للأفكار التى تم تداولها داخل البنية القانونية التونسية بعد أن عاشت بلادهم عالة على النماذج القانونية الغربية.

 

أما الفريق الآخر من التونسيين فيرى أن هذا الشكل هو نتيجة طبيعية لفوز حركة النهضة فى الانتخابات التشريعية الأخيرة، وبالتالى فمن المنطقى أن يكون منصب رئيس الوزراء الذى هو رمانة الميزان فى النظام البرلمانى من نصيب الأمين العام لحركة النهضة. أما لماذا ذهب القانون لاختيار النظام الهجين بدلا من النظام الرئاسى فسببه هو الانحراف الكبير بخصائص النظام الرئاسى فى ظل دستور 1956 وتعديلاته، حتى صار النظام كله يدور فى فلك الرئيس. ويكفى أن نعرف أن الرئيس فى الدستور القديم كان قادرا على استفتاء الشعب مباشرة بخصوص مشروعات القوانين والمسائل الهامة دون المرور على مجلس النواب، كما أنه كان هو من يعين الحكومة ويقيلها ويسائلها ويرأس اجتماعاتها، أما عن صلاحياته فى الظروف الاستثنائية فحدث ولا حرج.

 

 

•••

 

وأما لماذا لم يتبن القانون المؤقت النظام البرلمانى الخالص فسببه المعارضة الشعبية الشديدة التى واجهها التصور المبدئى لنظام الحكم التونسى وقد كان بالفعل نظاما برلمانيا صرفا. ويكفى فى هذا الخصوص أن جماعة ضغط حملت اسم «دستورنا» تكونت لمعارضة تطبيق النظام البرلمانى فى نموذجه البريطانى، وقد ضمت هذه الحركة فى عضويتها متخصصين فى القانون من الرجال والنساء ونشطت على نطاق واسع. ومن جهة أخرى فإن منصف المرزوقى، وهو المعارض السياسى المخضرم وصاحب الحضور القوى فى المشهد التونسى قبل هروب بن على وبعده، ما كان يقبل أن يكون رئيسا شرفيا بلا صلاحيات.

 

 

فى نظام الحكم التونسى الحالى جرى انتخاب رئيس الجمهورية فى داخل المجلس التأسيسى، بينما أن رئيس الجمهورية فى فرنسا التى هى النموذج التقليدى للنظام البرلمانى ــ الرئاسى يتم انتخابه بواسطة الشعب مباشرة. وقد صوت لصالح المرزوقى 153 عضوا ممن حضروا جلسة التصويت وعددهم 202 ورفضه 3 وتحفظ عليه 2، وسلم 44 بطاقتهم بيضاء احتجاجا على عدة أمور. الأول أن منصب رئيس الجمهورية تم تهميشه لصالح منصب رئيس الحكومة رغم التعديلات التى توخت درجة أعلى من التوازن بين المنصبين.

 

والأمر الثانى عدم تحديد أمد رئاسة الجمهورية. والأمر الثالث أن انتخاب المرزوقى كان تحصيل حاصل إذ تم استبعاد ملفات 9 مرشحين لم يحصل أيهم على توقيع 15 عضوا فى المجلس التأسيسى، كما استُبعد ملف آخر لعدم استيفاء صاحبه السن القانونية. ومعلوم أن القانون المؤقت انخفض بسن الترشح لرئاسة الجمهورية من 40 سنة فى دستور 1956 إلى 35 سنة، ولم يشترط الجنسية التونسية فى جد المرشح لأبيه وإن حافظ على باقى الشروط الأخرى.

 

 

فى نظام الحكم التونسى الحالى لا يملك رئيس الجمهورية إقالة رئيس الحكومة ولا حل المجلس التأسيسى، أما فى النظام الفرنسى فأن الرئيس كما يعين رئيس الحكومة قد يعفيه من منصبه كما أن من حقه حل إحدى غرفتى البرلمان وهى الجمعية الوطنية. ويقيم النظام التونسى شراكة ثنائية بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء على نحو غير معروف فى النظم المختلطة، ومن نماذج هذه الشراكة ما يظهر فى رسم السياسة الخارجية التى هى امتياز مطلق لرئيس الجمهورية الفرنسى، وفى القرارات المتصلة بالتعيين فى الوظائف العسكرية والدبلوماسية والمدنية العليا بل وفى وظيفة المفتى نفسه. هذا بخلاف شراكة ثلاثية بين رؤساء الجمهورية والوزراء والبرلمان فى إعلان التدابير الاستثنائية وفى ممارستها معا.

 

 

 

فى النظام التونسى يجوز الجمع بين عضوية البرلمان والوزارة، وهذا منطقى طالما أن الحكومة تتشكل من حزب الأغلبية البرلمانية. لكن ما يبدو غير مفهوم هو اشتراط عدم تمتع رئيس الوزراء وحده بعضوية المجلس التأسيسى. كما أن المجلس التأسيسى التونسى يملك إعفاء رئيس الجمهورية من مهامه، أما فى فرنسا فمسئولية الرئيس جنائية وليست سياسية.

 

•••

 

هكذا نجد أن رئيس الجمهورية فى تونس لا يكاد يملك الحق فى التصرف منفردا فى أى أمر لكونه يتقيد بشراكات معقدة مع رئيسى الحكومة والبرلمان. أكثر من ذلك فإن رئيس الحكومة فى تعيينات معينة يتخذ القرار منفردا ويكتفى بإحاطة رئيس الجمهورية علما به كما فى حالة تعيين محافظ البنك المركزى. يذكر أن تدخل رئيس الحكومة فى هذا التعيين كان موضع رفض شعبى كبير لسبب موضوعى هو أن البنك المركزى حتى فى ظل بن على كانت له آلياته الداخلية فى تعيين محافظه، ولسبب آخر إجرائى هو أن رئيس الحكومة حمادى الجبالى كان قد رشح أحد أقاربه لشغل هذا المنصب بينما ضج التونسيون من ظاهرة الشللية السياسية.

 

 

هل يمكن أن يستمر هذا الهجين الخاص جدا من النظامين الرئاسى والبرلمانى فى ظل الدستور الجديد ؟ يمكن أن يستمر لو أثبت فعالية فى إدارة البلاد خلال المرحلة الانتقالية عبر التوافق الدائم بين إرادات الرؤساء الثلاثة. ويمكن أيضا أن يستمر لو حظى هذا الهجين بموافقة أعضاء المجلس التأسيسى. جدير بالذكر أن الفصل الثالث من القانون المؤقت يشترط الموافقة بالأغلبية المطلقة على كل فصل من فصول الدستور المقبل ثم الموافقة بأغلبية الثلثين على كل الدستور، فإذا تعذر ذلك لأول مرة تكرر التصويت، وإذا لم يحصل على الأغلبية المطلوبة فى المرة الثانية يعرض الدستور على الاستفتاء، وهنا يكون الرأى لأغلبية المقترعين. وكما هو واضح فإن الآلية السابقة لا تتمتع بالديمقراطية الكافية لأن معناها أن ثلثى المجلس التأسيسى (حوالى 72 عضوا) يمكنهم أن يقرروا شكل الدستور النهائى الذى سيستمر مع تونس لأمد غير معلوم، وفى هذا إقصاء للأغلبية الساحقة من أبناء الشعب التونسى.

 

 

•••

 

إن التجربة التونسية الحالية فى الحكم هى تجربة شديدة الخصوصية ،وإن تطبيقها عمليا يمكن أن ينذر بانسداد فى العملية السياسية، لكن من حسن الطالع أن هناك فرصة عام على الأقل لحين وضع الدستور التونسى الجديد واختبار التجربة لتقرر تونس بعدها ما تأخذه منها وما تتركه. وبالمثل تكون أمامنا نحن الفرصة فننتظر لنرى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved