اللامنتمى
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الخميس 11 نوفمبر 2010 - 10:55 ص
بتوقيت القاهرة
من بين أعمال مهرجان الفيلم الأوروبى التى تُعرض حاليا فى القاهرة أتيح لى أن أشاهد فيلم «زنديق» للمخرج الفلسطينى المعروف ميشيل خليفى. الفيلم إنتاج فلسطينى بلجيكى بريطانى مشترك، ويقوم ببطولته الممثلان الفلسطينيان محمد بكرى وريما عوض. تدور فكرة الفيلم حول القضية نفسها التى شغلت مخرجه منذ عام 1980 وسيطرت على مجمل أعماله كالذاكرة الخصبة وعرس الجليل وحكاية الجواهر الثلاث، والفكرة هى تصوير معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال.
فى فيلم «زنديق» يقرر أحد أبناء مدينة الناصرة، وهى نفسها بلد المخرج ميشيل خليفى، أن يحمل كاميرته ويقصد مدينته بعد سنوات طويلة من الغربة فى الخارج ليصور ما فعله الاحتلال بكبرى مدن الجليل. وهكذا تنتقل كاميرا البطل من جدار الفصل العنصرى الذى يقسم الأحياء ويشتت الأسر ويفصم العرى، إلى الشبان الذين تلاحقهم الدوريات الإسرائيلية فتملأ نفوسهم بإحساس يمتزج فيه انعدام الأمن بالعدوانية، إلى حارس الكنيسة الذى يحكى فى مرارة عن ماء العذراء الذى سرقه الصهاينة كما سرقوا معه كل الأساطير، إلى الجدران المكتوب عليها بالطباشير عبارة End Occupation ولا نعلم إلى من توجه إذا كان قاموس اللغة العبرية يخلو من ترجمة للفظة استعمار، إلى أصحاب الفنادق والبانسيونات الذين يتوجسون من الغرباء ولو كانوا عربا مثلهم فيفشل البطل فى استئجار غرفة يبيت فيها ليلته ويكتفى الأكثر تعاطفا معه بجملة: الله معك.
رسالة الفيلم إذن واضحة فى رفضها للاحتلال، وواضحة أيضا فى تبشيرها بأن ثمة أملا يلوح فى الأفق بقرب زوال هذا الاحتلال.
يحمل بشارة الأمل انبلاجُ الصبح من بين طبقات السواد فى أمتع لقطات الفيلم لعين المشاهد، ويحمله طفل صغير يسكنه الفضول وينظر عبر الكاميرا إلى الأفق المفتوح أمامه بلا مدى. ومع ذلك، فإن الرسالة التى يريدنا الفيلم أن نتلقاها هى رسالة منزوعة الروح لأن البطل الفلسطينى الحامل لها هو شخص غير منتمٍ بالمعنى الواسع للكلمة.
هو أولا غير منتم لدين بدليل العنوان الذى اختاره المخرج للفيلم أى «زنديق»، وهذا عنوان فى تقديرى غير موفق لأنه يقطع من الوهلة الأولى خطوط التواصل بين البطل والمشاهد. والحق أننى لا أعلم على وجه اليقين السبب الذى دعا المخرج إلى اتخاذ هذا الوصف عنوانا للفيلم فلا هو يخدم رسالته ولا هو يفيد من أى زاوية المهمة التى حل لأجلها البطل بمدينة الناصرة. ثم إن البطل ثانيا غير منتم إلى مدينته فهو يفرط فى مفتاح بيته القديم بالناصرة فيما حمل كل الفلسطينيين فى المنفى مفاتيح بيوتهم، وهو يبصق فى البئر الجافة كأنه يعاقبها على إهمال لا يد لها فيه، وهو لا يفتأ يكرر على أمه التى يزوره طيفها السؤال تلو السؤال: ليش ما نزحتوا؟ ليش ضليتوا هون؟ وكأن الأصل فى العلاقة مع الأوطان هو الفرار منها فى لحظات الكرب، يا الله أو ليس هذا بالضبط هو ما تخطط له إسرائيل؟.
والبطل الثالث غير منتم إلى أهله وناسه الذين عاش معهم وتربى بينهم، يماطل فى حضور القداس الذى أقيم على روح عمه ويمزق صورة زفاف والديه المعلقة على جدار بيته القديم ويلقى بها فى النار ومعها الصليب الخشبى. بل إنه حتى غير منتم لزميلته التى أحبها وصاحبته فى رحلته إلى الناصرة، فلم يتورع عن خيانتها مع فتاة إسرائيلية، وعندما صارحته هذه الأخيرة بأنها للمرة الأولى تقيم علاقة جنسية مع فلسطينى يجيبها باستخفاف: وهل ثمة فارق؟
لو أحسن المخرج ميشيل خليفى صنعا لاقتبس من الكاتب الإنجليزى كولن ويلسون عنوان كتابه الأشهر «اللامنتمى» بدلا من عنوان «زنديق»، فالعنوان البديل أكثر دلالة على شخصية البطل وأكثر شمولا أيضا، لأن عدم الانتماء يتجاوز علاقة البطل بالله إلى علاقته بالبشر والحجر والمكان. فأن يكون هذا الشعور العام بعدم الانتماء وليد سنوات الغربة الطويلة للبطل خارج الوطن، أو يكون بسبب انفصال البطل ككثير من المثقفين والفنانين عن بيئتهم المحيطة، أو يكون نتيجة فقدانه والديه أو أمه بالذات التى نفهم من الفيلم أن علاقته بها كانت خاصة، أيا كان مصدر هذا الشعور العام بعدم الانتماء فإننا كمشاهدين نشعر أن البطل يدين الاحتلال الإسرائيلى كما يدينه أى ناشط فى منظمات حقوق الإنسان فى أوروبا وأمريكا، وشتان بين هذا الموقف وموقف صاحب الأرض.
أكثر من ذلك فقد مرر لنا المخرج عبارة لها دلالتها على لسان الطفل عندما قال للبطل إن والده اعتقلته حركة حماس وأودعته سجونها، فهل كان يريد أن يقول إنه يوجد فى غزة احتلال كما يوجد فى الناصرة احتلال؟
عندما كتب مريد البرغوثى رائعته «رأيت رام الله» التى يصور فيها مشاعر الحنين والترقب والأسى والسعادة الغامرة التى اعتملت فى داخله وهو يولى وجهه شطر رام الله بعد غياب عنها دام ثلاثين عاما، عندما كتب ذلك استطاع أن يشيع فى أوصالنا المشاعر نفسها ونحن نصحبه فى رحلته الممتعة فنحبس أنفاسنا ونتحين معه مرأى أضواء المدينة. أما رحلة الناصرة فذهب إليها البطل وحده لا يصحبه المشاهدون ولا يرون ما يراه، لم يتذوقوا معه طعم الزيت الذى أساله من شجرة الزيتون الكبيرة المغروسة فى أرض بيته القديم، ولا استطابوا مثله رائحة هذا الزيت حين مسح به وجهه. إنهم لم يتوحدوا معه.
فى الحوار الذى أجراه المخرج بعد العرض مع الجمهور الذى شاهد الفيلم سألتُه لماذا اختار أن يكون بطله غير منتم، فأجاب بل هو منتمٍ إلى المستقبل الذى يجسده الطفل الصغير، وأضاف مستطردا إن محمود درويش الذى قال «أحن إلى خبز أمى» هو الذى قال «مثلما سار المسيحُ على البحيرة سرتُ فى رؤياىَ، لكنى نزلتُ عن الصليب لأننى أخشى العلوّ» ويقصد بذلك أن لكل شخصية أكثر من بعد. أما أنا وربما آخرون غيرى فلعلنا نرى أن الإنسان مقطوع الصلة بماضيه لا يمكنه أن ينتمى للمستقبل من أجل تغيير هذا الماضى الذى لا يعنيه، وأنه فى اللحظة التى يفرط فيها الإنسان فى مفتاح داره ويحرق صليبه أو مصحفه يكون هو والعدم سواء.