إعلان الحكومة الائتلافية من قطر
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الإثنين 13 فبراير 2012 - 10:17 ص
بتوقيت القاهرة
بعد طول مراوحة بين نفى وتأكيد لنية جماعة الإخوان تشكيل حكومة ائتلافية مبنية على الأوزان الانتخابية النسبية للقوى السياسية المختلفة، اختار المهندس خيرت الشاطر أن يعلن علينا من فوق منبر الجزيرة رفض جماعته استمرار الحكومة الحالية والاستعداد الفورى لتشكيل حكومة ائتلافية. جاء الإعلان المذكور فى برنامج «بلا حدود» الذى قدمه الإعلامى «المصرى» أحمد منصور مساء الأربعاء 8 فبراير، وقامت صحيفة الحرية والعدالة بنشر النص الكامل للحديث فى عددها الصادر يوم الجمعة 10 فبراير تحت عنوان «مهندس نهضة مصر خيرت الشاطر فى حوار مع الجزيرة، مستعدون لتشكيل حكومة ائتلافية فورا». المدهش فى الأمر أن ما تخيله المشاهد المصرى العادى وجهة نظر فردية لقيادى فى جماعة الإخوان عبر عنها فى برنامج تليفزيونى لم يكن فى واقع الأمر بهذه البساطة، إذ خرجت علينا مانشيتات صحف الجمعة الماضى تتحدث كما فى جريدة اليوم السابع عن أن «الحرية والعدالة وشورى الإخوان يضعان ملامح الحكومة الائتلافية»، وتقرر كما فى جريدة الشروق أن «الحكومة تعلن استقالتها خلال أيام والإخوان يبدأون المشاورات.. ومرسى المرشح الأقوى».
هكذا أحاطنا المهندس خيرت الشاطر علما عبر قناة الجزيرة بنية جماعته تشكيل حكومة ائتلافية، ولم يضيع وقتا حسب ما ذكرت المانشيتات المشار إليها فأخذ وجماعته يتصلان بالقوى السياسية المختلفة واشتغلت بورصة الأسماء على ترشيح وجوه لتولى رئاسة الحكومة الجديدة. تحتاج قطر ودورها فى التدخل فى الثورات العربية تحليلا خاصا يضيق عنه هذا المقال، فقط أذكر أنه بعدما أعلن مسئول ليبى أن بلاده لن تتحول إلى إمارة تابعة لقطر، وبعد أن خرجت مظاهرات فى تونس فى ذكرى الثورة للتنديد بالدور القطرى، ها هى قطر تصبح المنبر الذى نعرف منه نحن المصريين بتفاصيل غير معلومة عن تطور مواقف قوانا السياسية. من يقرأ نص الحديث لابد أن يتوقف أمام أسلوب التحريض الذى صيغت به أسئلة مقدم البرنامج كما فى قوله «لماذا لا تقومون بسحب الثقة غدا من حكومة الجنزورى؟». هو إذن لا يعرف أن النظام المصرى حتى هذه اللحظة ليس نظاما برلمانيا يسحب فيه البرلمان الثقة من الحكومة أو من أحد وزرائها، لكن لا بأس. وفى قول مقدم البرنامج أيضا «يمكنكم أن تعلنوا الحكومة وتفرضوها على المجلس العسكرى، فأنتم سلطة البرلمان، وهى سلطة أعلى من المجلس العسكرى كما أقرتها المادة 33 من الإعلان الدستورى». هو إذن لا يعرف أن المادة 33 لم تشر من قريب أو بعيد إلى ترتيب السلطات خلال المرحلة الانتقالية، لكن أيضا لا بأس. وأخيرا سأل أحمد منصور «نفهم من ذلك أنكم ستصعدون الأمر ولن تنتظروا إلى 30 يونيو؟»، فهل يدخل هذا السؤال فى باب الاستفهام أم الإيعاز؟
●●●
لنضع الآن قطر وجزيرتها على جانب ونناقش الحجج التى تستند إليها مطالبة جماعة الإخوان بتشكيل حكومة ائتلافية، ففى هذا النقاش ما يكشف عن مناورات لعبة السياسة بعد ثورة يناير. الحجة الأولى أنه من غير المقبول بعد أن أصبح لدينا مجلس شعب منتخب ومعبر عن الإرادة الشعبية ألا تتشكل حكومة تعبر عن تلك الإرادة. والحق أن كلمة الإرادة الشعبية أصبحت مصطلحا مطاطيا يختلف معناه باختلاف الظروف السياسية حتى فقد مصداقيته أو كاد. فما من مرة أرادت القوى المدنية الاجتهاد فى وضع مبادئ عامة للدستور الجديد حتى ارتفعت أصوات التيار الدينى رافضة الالتفاف على الإرادة الشعبية على أساس أن الإعلان الدستورى جعل وضع هذا الدستور حقا خالصا للجمعية التأسيسية التى يشكلها مجلس الشعب المنتخب. فلماذا الآن الاستعداد للالتفاف على الإرادة الشعبية التى عبر عنها الإعلان الدستورى الذى لا يعطى للبرلمان حق تشكيل الحكومة قبل انتخاب الرئيس وتسليم السلطة ؟ يُذكر أن المادة 56 من الإعلان الدستورى أعطت للمجلس العسكرى عشر صلاحيات يذهب البعض منها للبرلمان المنتخب بنص المادة 33 كما فى اختصاصات التشريع وإقرار السياسة العامة للدولة والموازنة العامة ومراقبتها. أما ما تبقى من صلاحيات مثل تعيين أعضاء فى مجلس الشعب وتمثيل الدولة فى الداخل والخارج والعفو وكذلك «تعيين رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء ونوابهم وإعفاؤهم من مناصبهم»، فجميعها صلاحيات احتفظ بها الإعلان الدستورى للمجلس العسكرى. فليختر الإخوان إذن ما بين الاحتكام إلى الإعلان الدستورى كله أو نقضه كله، أما أخذ ما يلائمهم منه وترك سواه فهذا لا يجوز.
الحجة الثانية أن الكثير من القوى السياسية تطالب بتشكيل حكومة ائتلافية وليس الإخوان وحدهم هم من يطالبون. والواقع أننا لو أعطينا آذاننا للمطالب المطروحة حاليا فى الشارع المصرى فسوف نجدها تتمحور حول مطلبين أساسيين، الأول هو التسليم الفورى للسلطة مع اختلاف حول من يتسلم هذه السلطة، والثانى هو تشكيل حكومة جديدة مع اختلاف حول طبيعة تلك الحكومة وما إذا كانت حكومة تكنوقراط أم أحزاب وقوى سياسية. ومن المدهش أن جماعة الإخوان التى فاجأتنا باستعدادها الفورى لتشكيل حكومة ائتلافية تتمسك بإصرار بتسليم السلطة فى موعدها نهاية يونيو أو أبكر قليلا. فلماذا استعجال تسليم السلطة الأدنى والتمهل فى طلب تسليم السلطة الأعلى إلا بمنطق الحسابات السياسية وتوازن القوى؟
الحجة الثالثة هى تدهور الأوضاع الأمنية على نحو خطير ووقوف الحكومة مكتوفة الأيدى أمامه. وبغض النظر عن الثناء الذى انهال على وزير الداخلية الحالى فى مستهل عمله وحتى قبل ثلاثة أسابيع مضت، فإن الاستناد إلى منطق الانفلات الأمنى يثير عدة تساؤلات هى: متى بالضبط تحقق الاستقرار الأمنى الذى وعد به المصريون منذ صوتوا بنعم على التعديلات الدستورية فى 19 مارس 2011؟ وما قيمة لجنة تقصى الحقائق التى شكلها مجلس الشعب إن كان هناك استباق لنتائجها بالدعوة إلى تشكيل حكومة جديدة ؟ وأى استقرار يُرجى فى ظل تقلبات حكومية صارت مصر تنافس بها الأردن على المستوى العربى علما بأن متوسط عمر الحكومة فى الأردن يقترب من العام بينما شهد العام الأول من عمر الثورة المصرية تشكيل أربع حكومات متتالية؟ أما أكثر الأسئلة إلغازا فهو ذلك المرتبط بما ورد فى حديث خيرت الشاطر عن أن معالجة الانفلات الأمنى تحتاج إلى الدعم الشعبى الذى لا يمكن تقديمه إلا من خلال الأحزاب الموجودة على الأرض والحكومة الائتلافية الواسعة. إذ هل معنى ذلك أن الشعب يتعمد عدم المشاركة فى حفظ الأمن فى غياب تلك الحكومة؟ أو أنه ضالع فى إحداث الفوضى للتعجيل بحكومة يرأسها الإخوان؟
●●●
يحتاج إخواننا فى الجماعة إلى أن يمدوا قليلا حبال الصبر وهم يزحفون على مفاصل الدولة ومؤسساتها من نقابات ونوادى هيئة تدريس وبرلمان، فمن بعد هذا الصبر تأتى البشارة والحكمة تقول إن غدا لناظره قريب.