روح ميدان الجامع

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الإثنين 13 مايو 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

عندما تنطق اسم «ميدان الجامع» ستجد المستمع إليك على نفس الخط، فالكل يعرف أن ميدان الجامع هو بازار مصر الجديدة الذى تجد فيه كل شئ بالمعنى الحرفى للكلمة من الإبرة إلى الصاروخ. لكن قليلا من الناس فقط يعرفون لماذا أطلقت هذه التسمية غير المُميزة على الميدان بينما الجوامع فى كل مكان، والقليل من الناس اهتموا بأن يسألوا عن اسم الجامع رغم أنهم صلوا فيه مرات أو أرسلوا أولادهم فى الصيف للاطلاع على مكتبته، إنه ميدان الجامع وكفى. عندما سألت عن تاريخ المكان عرفت أن الأصل فيه كان إنشاء هذا الجامع الذى يحمل اسم جمال الدين الأفغانى وذلك عند تقاطع شارع هارون الرشيد مع شارع اسماعيل رمزى ثم بالتدريج زحف العمران ليحيط بالجامع. اتخذت البنايات الأولى التى أطلت على الميدان طابعا خاصا، فهى ضيقة الواجهة تتسع شرفاتها لمقعدين اثنين بالكاد، وغالبا ما كان يتم تعويض سُمك الواجهة بمستويين للشقق، لكن تلك القاعدة اختفت مع البنايات الأحدث.

 

●●●

 

من يريد أن يعرف كيف يقاوم المصريون بفطرتهم دعاوى التطرف يذهب إلى ميدان الجامع ويستشعر روحه المتسامحة والأدق المتصالحة مع نفسها. فهذا الميدان لا يتعايش فيه فقط بائع الذهب مع الإسكافى، والسوبر ماركت الفاخر مع محل العطارة التقليدى، وكبار التجار مع عشرات من الباعة الجائلين، لكنه عابر للأديان كما هو عابر للطبقات، إنه شبرا مصر الجديدة التى يتجاور فيها المسيحى والمسلم، ومرقس صاحب أشهر محل لبيع المرتديلا مع كركور المتخصص فى الطرح والإيشاربات. عند مدخل ميدان الجامع توجد كنيسة البازيليك أو كما هو مثبت على لوحتها الخارجية « البطركخانة المارونية « التى تتحول فى الأعياد المسيحية إلى خلية نحل يصلى فيها أبناء الطائفة المارونية ثم يقصدون ميدان الجامع ليتبضعون ويتسوقون. هل هى صدفة أن يبدأ الشارع بكنيسة وينتهى بجامع؟ ربما لكننى أحببت جدا المعنى الذى يجسده هذا التآلف غير المفتعل بين دور العبادة فى مصر التى نعرفها.

 

●●●

 

عندما تحولت المسألة السمجة الخاصة بتهنئة المسيحيين فى عيد القيامة من مجرد لغو إلى قضية رأى عام، وأدلى مفتى الحزب الحاكم لأول مرة بدلوه فى الأمر محرما هو الآخر عبارة « كل سنة وأنت طيب « التى لا تدل على شئ إلا المجاملة الرقيقة، قاوم ميدان الجامع تلك الفتاوى الشاذة على طريقته. بعرض شارع الإسكندرية الذى ينتهى بميدان الجامع عُلقت لافتات كتب عليها « اللهم احفظ مصر وشعب مصر مسلم ومسيحى» فنزلت بردا وسلاما على من يتدبرها. وفى إحدى الحارات الصغيرة المتفرعة من الميدان ارتفعت لافتة تقول « أجمل التهانى للسادة الأقباط بعيد القيامة المجيد»، السادة الأقباط! أشفقت على كاتب التهنئة الذى أراد أن ينأى بنفسه عن تهمة التعصب الدينى فاستخدم تعبيرا طبقيا لم يدر يقينا أنه طبقى. وهكذا تؤدى المبالغة فى الفعل إلى مبالغة فى رد الفعل.

 

●●●

 

فى المخبز الذى اعتدت التردد عليه فى ميدان الجامع، كان يقف كعادته عم إبراهيم بلحيته البيضاء السابقة على الثورة، وهذا توقيت مهم لأنه يرصد التحول السلوكى عند السابحين مع التيار، كل تيار. أقول وقف عم إبراهيم يوم الجمعة الحزينة مادا يده بقطعة بسكويت لامرأة ترتدى السواد عرفت لاحقا أن اسمها أم بيشوى، قال لها الرجل فى بشاشته المعهودة « بألف هنا وشفا هذا البسكويت الصيامى، تذوقيه وادعيلي»، فلم ترد المرأة يده لكنها مازحته بسؤال « تعزم على بطعام صيامى قبل يوم واحد من الإفطار ياعم إبراهيم؟»، هنا جاءها جوابه صادقا « بأمر الله نسهر الليلة لنصنع كحك العيد». لو أننى فى موقع له صلة بإعداد كتب المرحلة الابتدائية لوضعت قصة عم إبراهيم وأم بيشوى بين المقطوعات الأدبية التى تربى الأطفال على معنى المودة والرحمة وتعلمهم جوهر الدين لا شكلياته. لو أننى فى هذا الموقع لتفننت كيف أجعل كل تلميذ عم إبراهيم وكل تلميذة أم بيشوى، فالمواطن السليم فى الوطن السليم. فيا أيها الجالس فى مقعد وزير التربية والتعليم أيا كنت ليس مهما أن تلغى السنة السادسة من التعليم الابتدائى أو تعيدها، وليس مهما أن تجعل الانتقال إلى المرحلة الإعدادية بموجب شهادة أو بدونها، المهم هو مضمون ما يتعلمه أبناؤنا وهم يخطون خطواتهم الأولى على طريق الحياة.

 

●●●

 

ميدان الجامع هو مجرد نموذج من نماذج كثيرة تنتشر فى ربوع مصر الحبيبة، قدر لى أن أسلط عليه الضوء لأنى أحتك بناسه وأتردد عليه وأمشى فى أزقته، لكن كلا منا بالتأكيد لديه ميدان للجامع فى حيه أو على الأقل فى مدينته فليسلط إذن عليه ضوءه لأن الخفافيش لا تحيا إلا فى الظلام. نسيت أن أقول إنه فى يوم الجمعة الحزينة تحولت أرض ميدان الجامع بمصر الجديدة إلى سجادة خضراء بفعل الخس والملانة والبصل تأهبا للاحتفال بيوم شم النسيم، كل عام ومصر والمصريون بخير. 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved