ما بين عقيدة الآلة وعقيدة الإنسان
محمد عبدالمنعم الشاذلي
آخر تحديث:
السبت 14 يناير 2023 - 8:25 م
بتوقيت القاهرة
نشرت صحيفة الشروق فى عددها الصادر يوم 13 ديسمبر مقالا بعنوان «عقيدة الآلة.. هل يصبح الذكاء الاصطناعى مصدرا للقيم؟» بقلم الدكتور إيهاب خليفة الباحث بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة الذى يقع فى مدينة أبو ظبى عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، وجاء بالمقال ما نصه «الذكاء الاصطناعى قد يصبح فى حد ذاته مصدرا للقيم الإنسانية تأخذ منه البشرية عاداتها وأعرافها وتكتسب قواعدها وقوانينها ويستمد منه الإنسان الأخلاقيات التى يتعامل بها مع قرنائه من بين البشر فتصير فلسفة الذكاء الاصطناعى هى مصدر القيم الإنسانية ويصبح الذكاء الاصطناعى هو مصدرا للتشريع والقانون»، طرح فى غاية الأهمية من أستاذ قدير فى مركز دراسات له وزنه وثقله وبالتالى يستحق التعليق والتمحيص.
منذ أن ظهر الإنسان على وجه الأرض وهو يسعى لحماية نفسه من عوامل الطبيعة القاسية ومن كائنات ضارية تفوقه فى القوة وفى القدرات فعمل على تعويض بطء سرعته مقارنة بسرعة طرائده من غزلان ووعول بترويض الخيول لركوبها والاستعانة بسرعتها، ولم يكتف بذلك بل واصل جهوده فاخترع القطارات البخارية ثم آلة الاحتراق الداخلى ثم المحرك النفاث والصاروخى الذى جعل سرعتها تتجاوز سرعة الطرائد والضوارى، بل إنها اجتازت سرعة الصوت. ولتعويض ضعف قدرته على حمل الأثقال الكبيرة اختراع الروافع والأوناش التى مكنته من رفع أثقال لا يقدر على رفعها الجمال والأفيال.
ولتعويض ضعف بصره مقارنة بالصقور والنسور اخترع المقراب والمجهر (بدلا من التسميات الأعجمية التلسكوب والميكروسكوب) لرؤية الأشياء المتناهية البعد والمتناهية الصغر بل واخترع الأشعة السينية ليرى ما خلف السواتر والمادة.
• • •
اغتر الإنسان بقوته وقدرته فبنى الفراعنة الأهرامات فى مصر كما بناها ملوك الأزتك والإنكا فى أمريكا وليس الغرض منها أن تكون مقابر أو معابد فحسب بل لإظهار قدراتهم وجبروتهم وكذلك فعل أباطرة الصين عندما بنوا سورها العظيم حتى رفعهم رعاياهم إلى مصاف الأرباب والآلهة. ولكن التاريخ علمنا أن الفراعنة سقطوا أمام الإغريق والرومان والأزتك سقطوا فى أيام قليلة أمام مدافع الإسبان وسور الصين العظيم اقتحمه جنكيز خان وجحافل المفعول.
لم يكتف الإنسان بزيادة قدراته العضلية والجسمانية لكنه سعى إلى زيادة قدراته العقلية والذهنية ولعل أول إنجازاته فى هذا الصدد كان اختراع الكتابة فى حوالى سنة 3500 قبل الميلاد فى مصر وفى سومر فى بلاد ما بين النهرين فكانت الهيروغليفية فى مصر والمسمارية فى سومر، ومكنت الكتابة الإنسان على تسجيل إنجازاته وتجاربه للبناء عليها.
ومع تراكم الوثائق والمعلومات كان من الضرورى وضع نظام لاستعادة المعلومة من وسط أكوام الأوراق، فابتكر السومريون والمصريون أيضا نظم الأرشفة والتبويب فى الألفية الثانية قبل الميلاد. وحتى يعين الإنسان فى ذاكراته على مفردات اللغة ابتكر المعاجم والقواميس وكان الآشوريون سباقين فى موضع أول قاموس لكلمات الآشورية والأكادية يرجع إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد وكان أول معجم عربى وهو معجم العين الذى وضعه العلامة العربى الخليل بن أحمد الفراهيدى فى القرن الثامن الميلادى. وأخيرا وصلت القواميس إلى أوروبا فنشرت إسبانيا قاموس Sebastian Covarrubias سنة 1611 ثم قاموس Samuel Johnson فى بريطانيا سنة 1775 وأخيرا إلى الولايات المتحدة التى نشرت قاموس ويبستر فى القرن الـ 19.
ومن أجل المرجعيات السريعة والقصيرة وضعت الصين أول دائرة معارف فى سنة 222 ميلادية أطلق عليها اسم مرآة الإمبراطور ثم انتشرت دوائر المعارف فى العالم ولعل أشهرها دائرة المعارف البريطانية التى صدرت نسختها الأولى فى عام 1768، ولعل الأمر الآخر الهام الذى احتاج الإنسان فيه إلى مراجع معاونة هو الحساب والرياضيات وأقدم هذه المراجع بردية موسكو الرياضية وبردية ريند ويرجعان إلى ما بين عام 2000 و1900 قبل الميلاد ووضعا فى مصر، توجد الأولى فى متحف موسكو والثانية فى المتحف البريطانى؛ ويضمان عمليات حسابية ورياضية عديدة مع حلولها، وفى اليونان كان فيثاغورس واضع النظرية الشهيرة فى القرن السادس قبل الميلاد، كما أنجبت اليونان اقليدس أبو الهندسة.
وفى القرن التاسع الميلادى عاش فى بغداد الخوارزمى واضع علم الجبر. وفى سنة 1614 وضع الرياضى الاسكتلندى John Napier جداول اللوغاريتمات للمساعدة فى حل عمليات الضرب للأرقام الكبيرة.
ولعل أول آلة صنعت لمعاونة الإنسان على الحساب هى العداد الصينى Abacus الذى ظهر فى الصين فى القرن الثالث الميلادى، وإن كان البعض يرجعه إلى بابل فى القرن السادس قبل الميلاد، وجاءت الطفرة الكبرى فى عام 1705 على يد الفيلسوف وعالم الرياضيات الألمانى جوتفريد ليبنتز الذى اكتشف منظومة الأرقام الثنائية Binary numbers system وهى الأساس التى قام عليها الحاسوب والكمبيوتر. وفى عام 1837 قام عالم الرياضيات والمهندس البريطانى Charles Babbage بتصميم أول كمبيوتر إلا أنه بسبب ضخامته وجسامة تكلفته لم يستمر فى تنفيذه. ولعل أول كمبيوتر يستخدم عمليا كان الآلة التى أطلق عليها اسم Colossus أو العملاق التى استخدمتها بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية فى فك الشفرة الألمانية المعروفة باسم Enigma. وبعد الحرب انتشر الكمبيوتر فى الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وروسيا والصين، وزاد انتشاره منذ الثمانينيات من القرن الماضى ودخل فى كل بيت نسخته المحمولة. وللكمبيوتر فائدة هائلة فى الحسابات وحفظ المعلومات واستردادها والمحاكاة والتصميم والمفاضلة. ثم ظهرت أجيال جديدة من الكمبيوتر فائق القدرة Super Computer.
اعتمادا على هذه التطورات كان John McCarthy أستاذ علوم الكمبيوتر فى جامعة ستانفورد الأمريكية أول من صاغ مصطلح الذكاء الاصطناعى Artificial Intelligence فى عام 1955، وهى خطوة يخطوها علم الكمبيوتر الذى اعتمد حتى الآن على هدف وبرنامج يعده المبرمج إلى مرحلة جديدة، يستقل الكمبيوتر عن المبرمج بحيث يقوم ببرمجة نفسه وهى رؤية أثارت قلقا على المستويات الفلسفية والأخلاقية والسياسية، وهو ما عبرت عنه مقالة الدكتور إيهاب خليفة وهو قلق مشروع بل وضرورى لخطورته. ولا يمكن تبديده بمقال أو ندوة ولكن الأمر يحتاج إلى دراسات مكثفة يشارك فيها فلاسفة وسياسيون وعلماء نفس وكمبيوتر، ولعل السؤال المطروح هو هل الحياة يحددها المنطق والحسابات الدقيقة بمعزل عن الإيمان والعقيدة والدين والمبادئ؟.
• • •
الحسابات الدقيقة أمر هام وحيوى لاتخاذ القرار السليم ولكن إذا كان ذلك هو المعيار الوحيد فهل كان طلبة الجامعة والأزهر وتلميذات مدرسة السنية العزل كانوا ليتخرجوا لمواجهة الجنود الإنجليز أثناء ثورة 1919، وهل كان الطيارون المصريون يطيرون بطائرات الميج 21 لمواجهة طائرات الفانتوم التى أمدت بها الولايات المتحدة إسرائيل والتى تتفوق على طائرات الميج تفوقا كبيرا فيشتبكوا معها ويسقطوها، وهل كان الجيش المصرى يقتحم قناة السويس ويقتحم خط بارليف ويتخطى صنابير النابالم التى ركبتها إسرائيل؟ لو سألنا الكمبيوتر لأكد استحالة هذه الأمور لكنها تمت بالإيمان والإرادة والعقيدة.
فى تقديرى أنه مهما بلغت قدرة الكمبيوتر وحتى لو ارتبطت قدرته بالروبوتات القادرة على الحركة المستقلة فإنها لن تقدر على السيطرة على البشر طالما ظل الإيمان بأن الله أكبر وبأن الله قال «ولقد كرمنا بنى آدم».
فى تقديرى أن القضية ليست صراعا بين البشر وبين الذكاء الاصطناعى ومن يسيطر على الآخر، ولكنه صراع بين الإنسان والإنسان بعد أن تركزت التقانة فائقة التقدم فى يد نفر قليل من البشر ودول وشركات عملاقة عابرة للحدود والقوميات تستخدم هذه التقنيات للسيطرة على باقى البشر والتحكم فى مصائرهم، هذه هى القضية الحقيقية قضية من يريدون إخضاعنا بعلمهم وتقنياتهم التى تخلفنا عن اللحاق بهم والسبيل الوحيد لمواجهة ذلك هو بإعطاء العلم المكانة التى يستحقها فى حياتنا ليكن درعا نحتمى به وسيفا نضرب به فى الحياة.