حدث فى كلية الاقتصاد
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الخميس 14 يوليه 2011 - 8:44 ص
بتوقيت القاهرة
سباق محموم بين أطراف دولية وإقليمية: عربية وإسلامية من أجل تشكيل نظام ما بعد الثورة فى مصر. تريده أمريكا وأوروبا ديمقراطيا بمقاييسهما، وتريده إيران وتركيا إسلاميا لكن بطبيعتين مختلفتين: إحداهما محافظة والأخرى ممزوجة بالعلمانية، وبعض الدول العربية يريده استمرارا لنظام مبارك بينما يريده قسم آخر ثوريا راديكاليا يقطع مع مبارك وميراثه. يعرف المتنافسون جيدا أن لمصر نفاذيتها السياسية حسب تعبير جميل مطر، وأن كرة التغيير لم تتدحرج من تونس إلى البحرين فاليمن فليبيا فسوريا إلا عندما لامست أرض الكنانة، فمصر تؤثر بقوتها كما تؤثر بضعفها.
من أجل هذا قصد مسئولون وأيضا جواسيس ميدان التحرير، وفتحت الولايات المتحدة وأوروبا قنوات اتصال مع كل القوى السياسية من أول المجلس الأعلى حتى الإخوان، وتدفق المال الأجنبى والعربى لإثبات الحضور فى المشهد المصرى والاستعداد لكل الاحتمالات.
عند نقطة التمويل الخارجى أتوقف، فمنذ وضعت الثورة المصرية أوزارها والمحللون السياسيون تشغلهم قضية التمويل. وعندما فجرت آن باترسون السفيرة الأمريكية فى القاهرة قنبلة بتصريحها أن بلادها زودت ستين من منظمات المجتمع المدنى المصرى بأربعين مليون دولار للتدريب على الديمقراطية تحولت هواجس المحللين لإقلاق المسئولين الرسميين، وكانت غضبة وزيرة التعاون الدولى هى الأجرأ والأصدق، ثم مضى وزير التضامن خطوة أبعد فشكل لجنة برئاسته لتدقيق ضوابط التمويل الخارجى فى قانون الجمعيات الأهلية رقم 84 لسنة2002. كقاعدة عامة يرفض المصريون أى تدخل فى شئونهم الداخلية، وها قد جاءت ثورتهم لتستنفر حساسيتهم الوطنية للمدى الأقصى.
جعلنا تصريح السفيرة الأمريكية نفتح عيوننا على خطورة تدفق المال الخارجى الذى يأتى محملا بتوجهات وربما توجيهات، لكن المشكلة أنه ليس كل ما يتدفق من المال يدقق. وإليكم هذه القصة من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
●●●
شاءت الصدفة المحضة أن أذهب إلى الكلية يوم الأربعاء 6يوليو الماضى. كان باب قاعة «ساويرس» مفتوحا وعلى حائطها لافتة تعلن عن برنامج للتدريب على الديمقراطية وحقوق الإنسان وتحمل اسم اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان التابعة لدولة قطر مما يعنى أنها جهة التمويل أو الرعاية. فى الخارج جلس رجلان ملتحيان يرتديان جلبابين خلف أحد المكاتب لتنظيم دخول المشاركين إلى القاعة. أما المشاركون أنفسهم فكانوا حوالى ثمانين شخصا، بينهم ستون على الأقل يطلقون لحاهم ويرتدون الجلابيب، هذا عدا بعض النساء منتقبات ومختمرات.
المشهد شديد الغرابة على الكلية التى قضيت فيها سبعة وثلاثين عاما من عمرى كان كفيلا بإشعال رأسى بالأسئلة، وعندما سألت عرفت أن برنامجا «أى مركزا» للديمقراطية وحقوق الإنسان فى الكلية هو الذى نظم التدريب على موضوعات تتعلق بتمكين المرأة ودور المجتمع المدنى والإعلام فى تحقيق التحول الديمقراطى. عرفت أيضا أن مدة التدريب يوم واحد، وأنه كان من المفروض استهداف نشطاء الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية، لكن من شاركوا فعلا كانوا من غير هؤلاء ماعدا اثنين أحدهما من حزب النور السلفى والآخر من حزب العدالة والحرية للإخوان، بل إن بعضا من المشاركين كان قد خرج لتوه من المعتقل، باختصار لم يتوجه نشاط التدريب للمستهدفين به.
عندما استفسرت من عميدة الكلية عن طبيعة هذا النشاط فاجأتنى أنها لا تعلم عنه شيئا مع أن القواعد تفرض إحاطتها بالمنح والتحويلات المالية بوصفها أعلى جهة إدارية، وزادت بأنها كانت فى مكتبها طيلة يوم الأربعاء ومع ذلك لم يخطرها مدير البرنامج بنشاطه، فكيف نقرأ ما حدث؟
●●●
أن يتم إدماج القوى السلفية فى إطار برامج للتدريب على الديمقراطية فهذا بلا شك أمر جيد لعله يتمكن من تغيير نظرة بعض السلفيين للديمقراطية على أنها كفر. لكن المشكلة الكبرى هى أن الحرم الجامعى ليس أبدا هو الساحة المناسبة لتدريب القوى السلفية على الديمقراطية بل هى منظمات المجتمع المدنى بحكم تخصصها وطبيعة مواردها البشرية. ثم لا ننسى أن بعض المتدربين كان رهن الاعتقال قبل بضعة أسابيع ولا مصلحة لأحد فى احتكاكهم بالطلاب والطالبات فالمناخ أصلا ملتهب.
ومن حيث الجدية فإن التدريب ليوم واحد كعدمه لأنه يستحيل إحداث تغيير فى الثقافة السياسية خلال بضع ساعات. زد على ذلك أن المشاركين فى البرنامج المذكور تحديدا اتسعت الفجوة العمرية بينهم نحو ثلاثين عاما مما يؤدى لإرباك التدريب، فما هى الحكمة فى اختيار هذه المجموعة خاصة أنها غير مستهدفة أصلا؟ ولماذا جرى التدريب بدون علم إدارة الكلية؟ فى الموضوع تفاصيل كثيرة وصفقات انتخابية ليس هذا موضع ذكرها.
عموما فإن ما سبق كان ملاحظات على إطار التدريب أما جهة التمويل وهذا هو الأهم فإن السؤال الذى يفرض نفسه يصبح التالي: ما هى الصدقية التى تملكها قطر لتمويل أو رعاية برامج للتدريب على الديمقراطية وهى الإمارة غير الدستورية التى لا توجد بها أحزاب وجمعياتها الأهلية خيرية بالأساس وليس فيها برلمان منتخب بصلاحيات تشريعية ورقابية على الحكومة؟ سيظل دور قطر فى النظام العربى من الأحاجى الكبرى التى تستعصى على الأفهام، وستظل علاقتها بمصر تحديدا هى الأحجية الأعقد. فمن تابع تغطيتها للثورة المصرية يلحظ تركيزها الواضح على أداء فصيل الإخوان، ثم ها هى اليوم تضخ مالا تخصصه لما تتصور أنه تدريب قوى سلفية تتقاطع مصالحها وقتيا مع مصالح الإخوان وتصطدم بها على المدى الطويل، فماذا يراد لمصرنا بالضبط؟
●●●
إن التمويل هو رئة العمل الأهلى إن أنت جففت مصادره خنقته، وبالقطع ليس هذا هو المطلوب. لكن كل المطلوب هو الرقابة والشفافية والمحاسبة، وأظنه قد آن الأوان لتوفق كل الجمعيات، ومنها جماعة الإخوان المسلمين، أوضاعها وفق القانون، وإن تلاقت الإرادة الشعبية على وضع قانون جديد ديمقراطى للعمل الأهلى فليكن، أما حديث البعض عن خطورة الالتفاف على الاستفتاء على تعديلات الدستور بينما يرتاح ضميره فى المقابل للالتفاف على القانون فهذا هو غير المقبول بأى حال.