تناقضات العلاقات العربية ــ الإيرانية

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 14 أكتوبر 2010 - 10:17 ص بتوقيت القاهرة

 فى أقل من أسبوعين شهدت العلاقات العربية ـ الإيرانية تطورين مهمين فى اتجاهين متضادين، الأول يرجئ بشكل غير مباشر فتح حوار عربى مع إيران، والثانى يتضمن مؤشرات على انفراج علاقة إيران مع واحدة من دول النظام العربى من جهة وعلى عمق علاقتها بدولتين أخريين من دول هذا النظام من جهة أخرى. والمحصلة تأكيد قاعدة أن الدول العربية تفضل إقامة علاقاتها الخارجية على أسس ثنائية، وتتردد فى إخضاع تلك العلاقات لترتيبات جماعية تحت مظلة جامعة الدول العربية.

فيما يخص الاتجاه الأول تسبب الانقسام فى مواقف الدول العربية حيال ضم إيران لعضوية منتدى دول الجوار العربى، فى تعطيل المبادرة برمتها. وخلصت قمة سرت الاستثنائية التى أنهت أعمالها قبل أيام إلى تشكيل لجنة وزارية تتعاون مع فريق من المتخصصين، وترفع تقريرا للقمة العربية المقبلة فى مارس 2011 على هدى الاقتراحات، التى تتقدم بها الدول الأعضاء للأمانة العامة للجامعة العربية.

وتمثلت أبعاد هذا الانقسام فى التراوح ما بين الدعوة للتريث تحت مبررات مختلفة (من طرف دول مثل مصر والأردن واليمن والجزائر)، والتحفظ على عضوية إيران بسبب النزاع على الحدود (الإمارات)، والترحيب بإطلاق المنتدى (من دول مثل العراق وسلطنة عمان وجزر القمر).

اختزل هذا الانقسام المبادرة إذن فى إيران فكانت هى الحاضر الغائب فى القمة الاستثنائية مع أن الأمين العام للجامعة السيد عمرو موسى كان قد قدم قائمة مقترحة بعشرين دولة مرشحة للعضوية، بعضها من آسيا والآخر من أفريقيا والثالث من أوروبا، وأكثرها توجد قضايا عالقة بينه وبين دولة أو دول عربية، مثل السنغال مع موريتانيا، وتشاد مع السودان، وإسبانيا مع المغرب. بل إن تركيا نفسها المرشحة رقم (1) لعضوية المنتدى لها مع العراق وسوريا ملفات مفتوحة فى قضايا المياه والحدود والأكراد.

ولمثل هذا الخلاف يكون الحوار مطلوبا، فالحوار لا قيمة له بين أطراف متماهية، تلك واحدة.

والأخرى أن الإمارات الدولة الأكثر حساسية للمبادرة تربطها علاقات تجارية شديدة التميز بالجمهورية الإسلامية، كما أن الأردن الذى اعتبر أن «وحدة الصف وتوفير الحد الأدنى من تلاقى المصالح العربية البينية» شرط مهم لإنشاء المنتدى ينخرط مع إيران فى آلية دول جوار العراق، التى يجتمع أطرافها دوريا للتباحث فى تطورات الوضع العراقى.

والثالثة أنه من أجل تفادى عضوية إيران أو فى القليل إرجاء لها، ذهبت دول عربية بعيدا فى مقترحاتها الخاصة بالدول الأعضاء، وها هى مصر قد بعثت عبر وزير خارجيتها برسالة إلى الأمانة العامة للجامعة العربية فى شهر سبتمبر تقترح التركيز على تركيا وتشاد والسنغال وقبرص ومالطا، مالطا؟!. أما الملاحظة الرابعة والأخيرة فهى أنه لو كان قد حدث تصويت بالإيجاب على تشكيل المنتدى، لكان على إيران وفق الصيغة الأصلية التى اقترحها السيد عمرو موسى فى قمة سرت العادية، أن تدخل فى حوار مع العرب قبل أن يتقرر ما إذا كان يجوز لها الانضمام للمنتدى أم لا، علما بأن ضم أى دولة للمنتدى يشترط فيه إجماع الآراء. ومثل تلك الإجراءات المعقدة كفيلة بأن تجعل من عضوية إيران فى هذا التشكيل الجديد احتمالا بعيد المدى آخذا فى الاعتبار تشعب قضايا الحوار، وتعدد أطرافه، وحساسياتهم البينية، ومع ذلك أرجئ البت فى ملف المنتدى.

أما فيما يخص الاتجاه الثانى فإنه يتمثل فى مجموعة المؤشرات التى يمكن استقاؤها من مستجدات العلاقات العراقية ــ الإيرانية، والمصرية ــ الإيرانية، واللبنانية ــ الإيرانية فى غضون الأيام القليلة الماضية التى تفيد تعمق تلك العلاقات أو توسعها.

ففى العراق توجت إيران نفوذها الوطيد بترجيح كفة نورى المالكى لتشكيل الحكومة العتيدة، وجاء ذلك على الرغم من نتائج صناديق الاقتراع، وعلى الرغم من المساعى التى بذلها إياد علاوى مع دول لا تحبذ التجديد للمالكى كمصر والسعودية، وعلى الرغم حتى من عدم ارتياح بعض أخلص حلفائها فى العراق للمالكى.

أكثر من ذلك فمع أن المالكى بالنسبة للولايات المتحدة كما هو بالنسبة لإيران يعد رجل المرحلة القوى، إلا أن إيران لم تنس له محاولاته المبكرة لأن يظهر بوجه غير طائفى ويجمع العراقيين حول الوطن لا حول المذهب، ومن هنا جاء حرصها، أى إيران، على انتزاع تنازلات لمقتدى الصدر فى التشكيلة الوزارية، ولو كرهت الولايات المتحدة.

وفى مصر كان الإعلان عن تشغيل أول خط للنقل الجوى المباشر من القاهرة لطهران وبالعكس بعد واحد وثلاثين عاما من التنقل بين العاصمتين عبر الترانزيت.

اتفاق استئناف الرحلات الجوية بين مصر وإيران يمثل تطورا نوعيا فى علاقتهما الثنائية، كونه يعنى زيادة التفاعل البشرى وتنشيط السياحة الدينية من طهران إلى القاهرة، حيث توجد العتبات المقدسة لدى الشيعة، كما أنه يفتح آفاقا أوسع للتبادل التجارى. أما كونه ينعكس إيجايا على العلاقات السياسية بين الدولتين أم لا، فليس بالضرورة فقد سبقته إجراءات عدة للتعاون الاقتصادى كان آخرها فتح فرع للبنك الإيرانى المصرى بطهران. ويعود ذلك إلى تعقد العلاقات الإيرانية ــ المصرية وارتباطها بشبكة متشعبة من القضايا العربية كالقضيتين اللبنانية والعراقية، والتمرد الحوثى فى اليمن، والموقف من الصراع العربى ــ الإسرائيلى، هذا فضلا عن الملف النووى الإيرانى.
وفى لبنان تمثل زيارة الرئيس الإيرانى محمود أحمدى نجاد محطة رئيسة من محطات العلاقات الإيرانية ــ اللبنانية. ليس لأن نجاد هو أول رئيس إيرانى يزور لبنان فهو ليس الأول وإن كانت زيارته هى الأولى. لكن خطورة زيارته تنبع من دلالتها الرمزية كونها تأتى فى ذروة احتدام الصراع الداخلى اللبنانى حول الموقف من المحكمة الدولية وشهود الزور وقرار الاتهام الظنى ومذكرات التوقيف الغيابية السورية.

ومعنى هذا أن نجاد حين يحل ضيفا على حزب الله فى الضاحية الجنوبية لبيروت، وحين يشق طريقه إلى قانا وبنت جبيل فى الجنوب اللبنانى فإنه يسبغ شرعية إقليمية معتبرة على فريق الثامن من آذار الذى هو أحد طرفى الصراع.
تلك إذن العلاقات العربية ــ الإيرانية فى لحظتها الراهنة، وهى علاقات تتأرجح ما بين سكون على مستوى النظام وصخب على مستوى وحداته. وهكذا انفضت القمة العربية الاستثنائية فى سرت على أمل أن ينطلق الدخان الأبيض فى سماء العلاقات العربية ــ الإيرانية فى مارس المقبل.

لكن هذا الأمل يبقى موضع شك حتى يدرك العرب أهمية الغطاء العربى لعلاقاتهم مع إيران، ويوقنوا أنه يزيد من قدرتهم التفاوضية، ويحول دون توظيف خلافاتهم البينية حول إيران، وُيّرشِد التدخل الإيرانى فى شئون بلادهم ولا أقول يلغيه. أما من جانب إيران فإن عليها مسئولية بناء جسور للثقة بينها وبين الدول العربية، ولها مصلحة مؤكدة فى ذلك.

أولا لأن المنتدى يخلو من إسرائيل وهذا مكسب لإيران. وثانيا لأن التنسيق العربى ــ الإيرانى يسهم فى ضبط نشاط المعارضة الإيرانية. وثالثا لأن انضمام دولة مثل فرنسا للمنتدى يوجد حلقة وصل مع مجموعة دول 5+1 التى تبحث ملف إيران النووى.

هذا إلى أن تنسيقا عربيا ــ إيرانيا لابد أن يَقُضّ مضجع الولايات المتحدة وليس ببعيد اعتراضها الفج على الخط الجوى بين مصر وإيران.

ومن أجل بناء الثقة من المهم أن تتوقف إيران عن سياسة الخطاب المزدوج، والسير على الخطوط المتوازية، وفعل الشىء ونقيضه.

إذ لا يعقل أن يُصدر المرشد على خامنئى فتوى تحرم سب الصحابة فتنزل فتواه بردا وسلاما على العرب العقلاء بسنتهم وشيعتهم، ثم بعد أيام يزور نجاد لبنان فيصب الزيت على نار مشتعلة، ويكرس انقسام اللبنانيين إلى معسكرين يقتسمان لافتات الترحيب والسخط، وحملات الترحيب والتنفير فيبيت لبنان يومى الزيارة على جمر.

ومن عجب أنه فى خضم هذا الصخب يخرج علينا سفير إيران فى لبنان غضنفر ركن أبادى أثناء حوار له مع جريدة السفير اللبنانية، ليرد على سؤال عن رأيه فى الانقسام الحاصل فى لبنان بسبب الزيارة قائلا بوداعة مدهشة: «نحن لم نشعر بهذا الانقسام بل شعرنا بأن المسئولين فى هذا البلد يرحبون بهذه الزيارة وبمواقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية»!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved