إنه نسيج وحده

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الإثنين 14 أكتوبر 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

عندما التحقتُ بمعهد البحوث والدراسات العربية فى عام 1978 لنيل درجة الدبلوم فى التخصص، كانت كل دفعتنا لا تتجاوز خمسين طالبا لأسباب مختلفة أهمها المقاطعة العربية. وفيما بعد اتخذت علاقتى بالمعهد أشكالا مختلفة حتى أُعِرت له من كلية الاقتصاد، ووقتها كان الدكتور أحمد يوسف أحمد قد تولى مسئولية الإدارة منذ ثمان سنوات.

جلس الرجل على المقعد الذى سبقه إليه فيه أساتذة عظام أمثال ساطع الحصرى وطه حسين ومحمد أحمد خلف الله وصفى الدين أبو العز، فكان أمينا على وديعتهم وهو الآن يترك المعهد وعدد طلابه فى المراحل المختلفة يربو على 2000 طالب. سمحت له إدارة المعهد بأن يحقق حلمه فى الوحدة العربية من خلال نموذج مصغر يلتقى أطرافه على قاعدة تعليم عروبى التوجه. يمتلئ المدرج الرئيسى وقاعات الدرس بطلاب أكراد وأمازيغ وعرب، مسلمين سنة وشيعة ومسيحيين، ينتمون إلى فصائل فلسطينية مختلفة ونظم ما قبل الثورات العربية وما بعدها، فيهم فتيات استؤمن المعهد عليهن فقصدنه من قلب الصحراء الكبرى أو من عمق الخليج، لا بل وصحبن معهن الزوج أو الأخ أو أحيانا الإبن فتوزعوا على الأقسام المختلفة، من هنا شاعت ظاهرة الأسر الكاملة التى تخرجت من معهد البحوث والدراسات العربية. ولأن الدكتور أحمد يوسف أحمد يمتلك رؤية استراتيجية فقد فتح أبواب المعهد على الظهير الأفريقى للأمة العربية، يتم أبناء الجاليات الأفريقية تعليمهم فى جامعة الأزهر ثم يلتحقون بالمعهد لمواصلة دراساتهم العليا.

وعلى مدار كل السنين الماضية شهدت عن قرب نموذجا للإدارة بالأخلاق، أو الإدارة بالإخلاص، أعطى الرجل المعهد حياته ولم يتوقف عن ترديد جملة : لن يٌحرم طالب عربى من التعليم لضيق ذات اليد، وبالفعل فقد مد يده لكل طالب علم يأتى من تلك البلدان التى يقال عنها ذات ظروف خاصة، وعندما أصبح نفر من هؤلاء مسئولين بارزين فى بلدانهم حرص على ألا تنقطع أواصر صلتهم بالمعهد فأسس رابطة للخريجين.

●●●

وحتى تجرى العملية التعليمية فى مكان يليق بها، بادر د. أحمد يوسف بتجديد المبنى الذى يشغله المعهد وهو فى الأصل تحفة معمارية قديمة عبارة عن قصر كان مملوكا لأحد تجار القطن قبل 1952. كل ركن فى هذا المكان بعد أن استعاد رونقه يحمل بصمة أحمد يوسف وأيضا جزءا من عمره ، الزجاج الملون بطول الدرج، حوض الزهور فى المدخل، المرآة الكبيرة فى الطابق الأول، نقوش الأسقف البديعة، الحديقة بأشجارها الباسقة، المكتبة المُحدثة، كل شئ بالمعنى الحرفى للكلمة. دخل التكييف غرفته عندما دخل غرف باقى الموظفين، وظل طيلة مدة خدمته يتحرك بسيارته الخاصة بل ويضعها فى خدمة العمل حتى إذا تكررت أعطالها نصحه من حوله بشراء سيارة مرسيدس تليق بمقامه ففكر مليا كعادته وسأل: تفتكروا أنا وش مرسيدس ؟ ... واشترى سيارة مستعملة.

لم يتوقف أحمد يوسف عن التدريس بالمعهد حتى بعد أن اشتد عليه المرض، وهو الذى لا يجلس لحظة فى محاضراته، أسمح لنفسى الآن أن أبوح بمرضه بعد أن سبقنى هو، قبل ذلك كنت أرفض، أنكر، أرجو. وفى كل الأحوال كان راضيا، سمعت منه عشرات المرات وهو فى ذروة أزماته الصحية المتكررة صوتا خافتا يقول: الحمد لله على نعمة الصحة، نعم قال ذلك وما يزال. لا يؤخر حوائج الناس كى لا يؤخر الله له حاجة، وحيثما حل ينشر الخير توأما للعلم، لا يرد سائلا  ولا يخذل أحدا قط. وعندما كان البعض يمعن فى استغلال إنسانيته كان يبتسم مرددا أنه يستمتع بشعور الآخرين أنهم يتخابثون عليه!

●●●

عندما يٌكتب تاريخ هذا المعهد سيكون لإسهام دكتور أحمد يوسف أحمد النصيب الأوفر فى التأثير على البشر والحجر، الرجل الذى يفعل ما يعتقد، وعندما يتماثل للشفاء بإذن الله تعالى أتمنى أن تكون أول محاضرة لآلاف من طلابه وخريجيه بعنوان: كيف تُبنى المؤسسات. 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved