البازار الشيعي
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الأحد 15 فبراير 2009 - 9:40 م
بتوقيت القاهرة
دفَعت بالعربة المحملة باحتياجاتها المنزلية الأسبوعية واتخذت دورها في ذلك الطابور الطويل الذي يتلوى كالثعبان لينتهي عند الكاشير ،حاولت فتاة شابة أن تخترق الصف و في يدها كيس من المكرونة و طلبت أن يؤذن لها بالدفع في غير دورها فلم تأذن لها ،نحن في بلادنا لا نحترم الطابور ولا نجيد صنعه.
وعندما أحرجها شيخ مسن بطلب مشابه واضطرت أن تأذن له مالت على الواقفين أمامها و طلبت منهم سد الفُرج .أفٌُ لهذا الطابور ،كم قالت لنفسها مرة و مرات أنها لن ترتاد هذا السوبر ماركت الشهير الذي تغرى أسعار الجملة فيه الزبائن على أن يشتروا أكثر مما يحتاجون وأحيانا ما لا يحتاجون أصلاً ،ثم ارتادته .قربه من منزلها ربما، العادة ربما، سلوك القطيع ربما، حسن المعاملة ربما، المهم أنها نسيت في تعداد أسباب التردد عليه أنه يبيع بسعر الجملة .
حانت منها التفاتة وهى تمسك في يدها ورقة المائتى جنيه السخيفة في انتظار أن تبلغ الكاشير ،اصطدم بصرها بعدد من الكتب الأرجح أن أصحاب السوبر ماركت تعمدوا وضعها في طريق زبائن الطابور حتى يخففوا من شعورهم بالملل . وكما توقع أصحاب السوبر ماركت تماماً فَعلت هي ، أخذت تتسلى بقراءة عناوين الكتب واحداً بعد الآخر .كتاب عن الطبخ ، وآخر عن الطريق إلى الجنة ، وثالث عن أسرع طريقة لتعلم الأسبانية ، ورابع عن أسمهان ...
عناوين لا رابط بينها إلا أنها تحاول أن تقدم للزبون بعضاً من كل شيء . وعندما اكتشفت أنها باتت قاب قوسين أو أدنى من بلوغ الكاشير ،لمحت وسط فوضى الكتب على يسارها كتاباً يتحدث عن خفايا العقيدة الشيعية ! . بحكم التخصص التقطت الكتاب وراحت تتصفحه، أخرجها الفضول من الطابور وأنساها تذمرها من طوله، لكنها لم تهتم، فمنذ وقت ليس بالقصير و موضوع الكتاب يستفزها بشدة.في عجالة تبينت أن بعض ما هو مكتوب في خفايا العقيدة الشيعية تقرأه و تسمعه و تراه منذ ابتلينا بالاحتلال الأمريكي للعراق وبدأبه على الدس بين السنة والشيعة. لم يكن ينقصنا إلا هذا في عالمنا العربي عموماً و في أم الدنيا خصوصاً، والله لم يكن ينقصنا فعلاً إلا هذا.ما الذي يدفع حفنة من الإخوة الطيبين هم ملاك السوبر ماركت إلى أن يزجوا بأنفسهم في موضوع السنة و الشيعة ؟ وما موقع العلاقة بين الطائفتين من اهتمام الشريحة الدنيا و الوسطى الدنيا التي تنتمي إليها على الأرجح غالبية زبائن السوبر ماركت ؟ ولماذا افتراض أن هؤلاء بالضرورة من أتباع مذهب أهل السنة و الجماعة ؟... بمنطق السوق و قواعد العرض والطلب بعيداً حتى عن أي اعتبار آخر، لا محل لخفايا العقيدة الشيعية بين أرفف السوبر ماركت، أو هكذا يفترض.
ذكَرها الحديث المكرر عن الخلاف السني– الشيعي، والقياس هنا مع الفارق طبعاً سواء في المعنى أو في السياق، ذكَرها بالبيت الشهير لشاعرها الأثير نزار قباني الذي يقول فيه:
الحب في الأرض بعضُُ من تخيلنا لو لم نجده عليها لاخترعناه
هل نحن نخترع أعداءنا ؟ هل نحتاج من نفرغ فيه كل ما نعانى من مرارات و إحباط ؟ هل نحن نعيد إنتاج نظرية هانتنجتون بعد أن نستبدل السنة بالإسلام و الشيعة بالمسيحية أو العكس ؟ هل عالم الدين الواحد و المذهب الواحد أفضل بالضرورة من عالم متعدد الملل و النحل ؟ وهل الاختلاف يساوى العداء ؟ أما السؤال الأهم بالنسبة لها فهو لماذا يخوض المصريون للآخرين معاركهم؟ فإذا كان للبعض عداؤهم مع الشيعة فهذا شأنهم لكنه عداء لا هو يَلزمنا ولا هو يُلزمُنا على الأقل اتساقاً مع الفطرة المصرية الأصيلة و من باب الحرص على ما كان يسمى يوماً دور مصر الإقليمي.
مؤكد أن بعض ما كان يفور بداخلها من مشاعر انعكس على صفحة وجهها غضباً أو ألماً أو دهشة حتى أن بنت بلد طيبة ربتت كتفها متسائلة في اهتمام حقيقي : أساعدك في حاجة يا ست ؟ شكراً شكراً ردت عليها و هي تسرع في خطاها إلى خارج السوبر ماركت تاركة من ورائها لصاحب النصيب عربة ملئا بكل ما لذ و طاب .