العدالة الاجتماعية فى إطار تنمية مستقلة ومستدامة

إبراهيم العيسوى
إبراهيم العيسوى

آخر تحديث: الإثنين 15 أكتوبر 2012 - 9:10 ص بتوقيت القاهرة

نقطة الانطلاق فى رؤيتى لكيفية تحقيق العدالة الاجتماعية بالمعنى الشامل والمركب هى الخلاص من نهج اقتصاد السوق الرأسمالى المفتوح والمندمج فى الاقتصاد الرأسمالى المعولم، والذى يتجسد حاليا فيما يعرف بالليبرالية الاقتصادية الجديدة أو توافق واشنطون، والتحول إلى نهج التنمية المستقلة ــ المعتمدة على الذات.هذا هو الضمان لعدالة قابلة للاستدامة.

 

ذلك أن العدالة التى قد تضاف إلى اقتصاد السوق كما يظهر من الفحص الدقيق لبرامج الأحزاب الإسلامية والليبرالية، ومشروع النهضة الذى يتبناه الرئيس مرسى، هى عدالة منقوصة وغير قابلة للاستدامة، لأنها أقرب إلى حاشية على متن يحتوى على تناقضات اجتماعية تنتج اللامساواة باستمرار، وتسيطر عليه قوى اجتماعية قادرة على التحلل من الكثير من إجراءات العدالة الاجتماعية، كما حدث مع دولة الرفاه.

 

أما العدالة المقترنة بالتنمية المستقلة فهى مكون أصيل من متن يحتوى على دولة تنموية تترجم مبدأ الاعتماد على الذات برفع معدل الادخار والاستثمار وبتنمية القدرات البشرية، وتدفع بمصر قدما على طريق التصنيع العميق والزراعة الحديثة والخدمات المتطورة، مع توفير ما يلزم للإنتاج الوطنى من حماية مؤقتة، وتعتمد على آليات للتخطيط وعلى المشاركة الشعبية للدفع فى اتجاه إشباع الحاجات الإنسانية للشعب وتقريب الفوارق بين الطبقات والقضاء على الفقر. ومن هذا المنطلق، فإننى أقترح سبع مجموعات من الإجراءات اللازمة لتحقيق العدالة الاجتماعية.

 

●●●

أول مجموعة من هذه الإجراءات تستهدف اعتماد مبدأ التخطيط التكاملى للإنتاج والتوزيع، بحيث تنطلق الخطط من أهداف الوفاء بالحاجات الأساسية وتخفيض الفقر وزيادة التشغيل كأهداف أساسية تشتق منها أهداف الإنتاج والاستثمار، وليس العكس كما هو متبع عادة. فاعتبارات التوزيع العادل يجب أن تكون حاضرة عند تقرير ماذا ينتج وكيف ينتج ولمن ينتج وأين ينتج، حيث يتعذر فى كثير من الأحيان إعادة التوزيع بعد الإنتاج. فليس من اليسير تحويل ما ينتج من سيارات خاصة إلى أتوبيسات للنقل العام، ولا تحويل المساكن الفاخرة إلى مساكن شعبية.

 

وثانيها يتلخص فى مطلب المعالجة التكاملية لأربع قضايا متشابكة، وهى قضايا الأجور، والأسعار، وتوزيع الدخل والثروة، والدعم وغيره من وسائل الحماية الاجتماعية. وتتضمن قضية الأجور إعادة هيكلة الأجور فى ضوء حد أدنى إنسانى وحد أقصى معقول، وإعادة توزيع مخصص الأجور بتحسين أجور الفئات منخفضة الأجر اعتمادا على الوفر المتحقق من خفض أجور الفئات مرتفعة الأجر فى القطاعين الحكومى والعام. أما فى القطاع الخاص، فإلى جانب إلزامه بالحد الأدنى للأجور، يجب تعديل نظام الضرائب التصاعدية بما يضمن عدم تجاوز الدخل لحد أقصى يتم التوافق عليه ديمقراطيا.

 

كما يجب إعادة توزيع الدخل والثروة من خلال نظام جاد للضرائب التصاعدية، ومن خلال فرض ضريبة على الأرباح الرأسمالية والضرائب على الثروة كالضريبة العقارية والضرائب على السيارات وما إلى ذلك، ومن خلال رفع الضرائب الجمركية وضريبة المبيعات على السلع الكمالية، ومن خلال إعادة توزيع الملكية باسترداد الأراضى التى تحصل عليها البعض بغير حق أو بثمن بخس، وإعادة توزيع الملكية الزراعية، وخاصة فى الأراضى الجديدة، وإعادة تأميم الشركات التى خصخصت ووقعت فى قبضة المحتكرين المحليين والأجانب، أو التى توقفت عن الإنتاج لسبب أو لآخر. كما تقتضى إعادة التوزيع مراجعة سياسات مكافحة الفقر والحماية الاجتماعية، وخاصة الدعم بما يكفل إلغاء دعم الأغنياء وبما يقصر الدعم المقدم على المستهلك النهائى وذلك بنسبة من التكلفة يتفق عليها ديمقراطيا ويجرى تعديلها بصفة دورية فى ضوء تطورات التكاليف والأسعار.

 

أما المجموعة الثالثة من الإجراءات فهى تختص بالوفاء بحق العمال فى التنظيم وفى التعددية النقابية، وذلك بالإسراع بإصدار قانون منصف للحريات النقابية، وعدم فرض قيود تعسفية على الحق فى الإضراب والتظاهر السلمى، وتعديل قانون العمل بما يضمن التفعيل الحقيقى لمبدأ التفاوض الجماعى بين العمال وأصحاب الأعمال.

 

وتقضى المجموعة الرابعة بتطوير التعليم كميا وكيفيا، وزيادة فرص الحصول على التعليم الثانوى والعالى، لما لذلك من دور مهم فى الحراك الاجتماعى الصاعد، مع القضاء على ما أصاب التعليم من تشرذم وتعددية ضارة فى نظمه، وتعميم خدمات الرعاية الصحية من خلال نظام للتأمين الصحى الاجتماعى الشامل، مع التوسع فى برامج التغذية المدرسية فى المدارس والمصانع.

 

وتركز المجموعة الخامسة على توجيه رعاية أكبر لصغار المنتجين فى مجالات الزراعة والصيد والحرف، وإيلاء عناية خاصة لمشكلات الفئات الأضعف، لاسيما المهمشين وسكان العشوائيات وذوى الإعاقات، والعمل على دمجهم فى الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وحماية المكتسبات التى تحققت للمرأة فى العهود السابقة والتصدى لمحاولات الانتقاص منها، بل والسعى لتوسيع هذه الحقوق، وكذلك توفير الحماية الكافية لحقوق المستهلكين.

 

وتتعلق المجموعة السادسة بمكافحة الفساد بحسبانه من وسائل التمييز بين المواطنين، وأحد أسباب التركز فى توزيع الدخل والثروة، وباعتباره أداة لنسف مبدأ تكافؤ الفرص وسببا لاضطراب عمليات التخطيط، وذلك فضلا عن أن الفساد يهدر موارد يمكن توجيهها إلى تحسين التعليم والرعاية الصحية وإقامة مشروعات توفر فرصا للعمل.

 

وأخيرا فإن المجموعة السابعة من الإجراءات تدور حول تعزيز الحريات ودسترة وتقنين ما اكتسبه الشعب منها إبان الثورة، والتأسيس لديمقراطية تشاركية حقيقية، وإتاحة أوسع الفرص لمشاركة الشباب والمرأة فى صنع القرارات، باعتبار ذلك كله من أدوات التمكين من النضال لتحقيق العدالة الاجتماعية.

 

●●●

 

إن فعالية هذه الإجراءات رهن بتنفيذها مجتمعة وعلى نحو متناسق، وهو ما يتوقف بدوره على انضوائها فى إطار عام اقتصادي- اجتماعى مناسب، وهو إطار التنمية المستقلة/ المعتمدة فى المقام الأول على القوى الذاتية للمجتمع. كما أن الوصول إلى مستويات أعلى من العدالة الاجتماعية يرتهن بإزالة المنبع الأساسى للامساواة، وهو الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، والانتقال إلى مجتمع اشتراكى. وهذا من المهام التى يطرحها اليسار المصرى على جدول أعماله فى الأجل الطويل، وإن كان إنجاز التنمية المستقلة يمكن أن يمهد الطريق إلى المجتمع الاشتراكى. وإلى أن توحد القوى التقدمية واليسارية جهودها، وتعمل بجد ونشاط وسط الجماهير من أجل إقناعها بتجاوز إرث القهر الذى كاد يحصر تطلعاتها للعدالة الاجتماعية فى زيادة الأجور وتحسين ظروف العمل، ومن أجل الحصول على تأييد قطاعات واسعة من الشعب لبرنامجها للمدى القريب والمتوسط الذى يستهدف إنجاز التنمية المستقلة، سيبقى الخيار المطروح أمام الشعب هو بين أحزاب إسلامية وليبرالية تطرح إجراءات محدودة مما ذكرناه سلفا، وتقع جميعا تحت سقف للعدالة الاجتماعية منخفض وغير قابل للاستدامة.

 

ولذا فإن على المواطنين بصفة عامة، وعلى المنتمين منهم إلى الطبقات الشعبية بصفة خاصة، ألا ينخدعوا بشعار العدالة الاجتماعية التى تطرحه الأحزاب الإسلامية والليبرالية كافة، وأن يطلبوا من مرشحى الأحزاب والمستقلين فى الانتخابات النيابية القادمة إيضاحات لما تضمنته برامجهم فى شأن العدالة الاجتماعية، وأن يتشددوا فى طلب تفصيل ما جاء مجملا فى هذه البرامج، وان يتساءلوا عن مدى قابلية ما تعد به القوى الإسلامية والليبرالية من إجراءات للعدالة الاجتماعية للزيادة والاستدامة فى إطار ما تعلنه من تمسك باقتصاد السوق الحر المفتوح والمندمج فى الرأسمالية المعولمة.

 

وأخيرا، فإن عليهم أن يقارنوا بين ما تطرحه هذه القوى وبين ما يطرح من جانب القوى التقدمية واليسارية من برامج لتحقيق العدالة الاجتماعية فى إطار تنمية مستقلة ومستدامة، وأن يدركوا أن الوصول إلى مستويات أعلى للعدالة الاجتماعية رهن بمساهمتهم فى تعديل ميزان القوة السياسية لصالح هذه القوى.

 

 

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved