تغيرات جوهرية فى المشهد السورى
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الخميس 16 مايو 2013 - 8:00 ص
بتوقيت القاهرة
بعد أكثر من عامين على اندلاع الثورة السورية ها هو المشهد الداخلى فى سوريا والمشهد الإقليمى وتقاطعاته الدولية يصبح أكثر تعقيدا من أى وقت مضى. أحد مظاهر التعقيد هو التغير فى موازين القوة العسكرية لصالح النظام، فبعد الإنجازات الكبيرة التى حققتها المعارضة المسلحة فى عام 2012 وسيطرت من خلالها على بعض أهم المنافذ الحدودية والمطارات والمواقع الاستراتيجية، بدأ النظام فى الشهور الأربعة الأخيرة يحرز تقدما ملموسا فى اتجاه استرداد حقول النفط والسيطرة على المعابر لقطع خطوط إمداد المعارضة. أحد تفسيرات هذا التطور يعود إلى التغير فى استراتيجية النظام من نشر قواته على كامل مساحة الأراضى السورية إلى استهداف أحزمة المدن تحديدا. يضاف إلى ذلك كثافة الدعم الإقليمى الذى بات معلنا وصريحا من حزب الله ومعه جيش المهدى ومن ورائهما إيران بطبيعة الحال. ومثل هذا الدعم يغذى البعد الطائفى المتصاعد للصراع، والذى سأعود للإشارة إليه لأنه يحرف المعارك من كونها تدور بين نظام مستبد ومعارضته إلى كونها قائمة بين أقلية شيعية وأغلبية سنية. ثم أن هناك صراع المصالح بين القوى الإقليمية الداعمة للمعارضة المسلحة، وتحديدا الصراع القطرى – السعودى الذى يؤثر سلبا على وحدة كيان المعارضة، فعلى حين تقف السعودية من وراء الجيش السورى الحر وتدعم قائده اللواء سليم إدريس، فإن قطر تفضل دعم جبهة النصرة ومثيلاتها من الجماعات المسلحة، ومثل هذا الاختلاف لا يترتب عليه فقط تشتت مصادر التمويل والإمداد لكن الأهم أنه قد يفتح الباب لاقتتال الفصائل المسلحة. وأخيرا فلا زال القرار الدولى بتسليح المعارضة مؤجلا حتى إشعار آخر رغم تصريح هنا وتصريح هناك.
●●●
المظهر الآخر للتعقيد هو التعدد البالغ فى القوى المعارضة للنظام، فأولا هناك المعارضة السياسية والمعارضة المسلحة، وثانيا هناك فى داخل كلٍ من المعارضتين العديد من الأطياف والاتجاهات. على مستوى المعارضة السياسية فإنها تنقسم إلى داخلية وخارجية، ويحدثك البعض عن وجود ما لا يقل عن 156 فصيل سياسى غالبيتهم الساحقة تتمحور حول عدد قليل من الأفراد، لكنه أمر يسهم على أى حال فى تفتيت المعسكر السياسى. يضاف إلى هذ الكم الضخم من الفصائل السياسية الائتلاف الوطنى الذى انبثق عن اجتماع قطر فى نوفمبر الماضى، والذى لا أحد يدرى بالتحديد ماهو الفارق بينه وبين سابقه المجلس الوطنى خاصة أن كليهما لا يمثلان الشعب السورى. يحكى أن أحد المطلعين على تفاصيل المشهد الداخلى كيف عمت المظاهرات المرحبة بتشكيل المؤتمر الوطنى فى البداية كل أنحاء سوريا وكيف أن أحدا لم يعد ينظر إليه ولا للائتلاف الذى ضمه الآن، ويضيف لقد أرادوا بالائتلاف وضع حد لنفوذ الإخوان المسلمين فى المؤتمر لكن شيئا لم يتغير ومرر الإخوان أنفسهم عبر صيغة الأعضاء المستقلين، هل يعقل أن يترشح نائب المراقب العام السابق للإخوان كمستقل؟!. هذا فيما يخص المعارضة السياسية أما فيما يخص المعارضة المسلحة فهناك تقديرات تصل بعددها إلى 1400 فصيل وهذا رقم بحد ذاته دال على إشكالية كبيرة تصادر على فعالية أى عمل عسكرى. بين هذه المعارضة هناك كيانات كبيرة مثل الجيش السورى الحر وجبهة النصرة ولواء التوحيد، لكن هناك المئات من الكتائب والألوية الأخرى مثل لواء أحرار سوريا ومجموعة خالد حيانى ولواء عاصفة الشمال كلهم فى حلب، ولواء نصرة الصحابة ولواء شهداء الشام ولواء الغوطة كلهم فى دمشق. وبمرور الوقت تفرز الظروف الحاجة إلى تشكيل فصائل لغرض وظيفى محدد كالفصائل الفلسطينية التى تكونت لحماية المخيمات الخمسة والعشرين الموزعة على المحافظات السورية. كما أن هناك فصائل تنسب نفسها إلى الثورة لكنها ترتزق من أعمال السلب والنهب، وقبل بضعة أيام قام لواء الفتح ولواء غرباء الشام بمحاصرة مقر الهيئة الشرعية بمنطقة الشيخ نجار الصناعية عقابا للهيئة على منعهما من التعدى على ممتلكات المواطنين.
●●●
المظهر الثالث للتعقيد هو تحول الصراع من سياسى إلى عسكرى ومن عسكرى صرف إلى عسكرى طائفى، فبالتدريج يلون البعد الطائفى المعارك الدائرة بين النظام ومعارضيه. يمارس النظام عنفا طائفيا على امتداد الساحل السورى ليس بهدف تأسيس دولة علوية كما يشاع فهذا افتراض مستحيل فى ظل خليط سكانى يرجح مكونه السنى، لكن لأنه هناك توجد معاقل للمقاومة. وتمارس المعارضة قتلا على الهوية على الحواجز الأمنية من دون التوقف طويلا أمام سؤال أين الفعل وأين رد الفعل الطائفى، فالمهم أن هناك دائرة جهنمية من العنف الاجتماعى بدأت ولا أحد يعرف متى تنتهى. فى هذا الإطار يتزايد نزوح السكان إلى مواطن تجمع طوائفهم لتتحول سوريا إلى عشرات الكانتونات المغلقة يؤمنها أبناؤها، فيقوم الدروز على حماية معاقلهم فى السويداء، والشيعة على حماية مناطقهم فى النُبل والزهراء، والأكراد على حماية تجمعاتهم فى قامشلى وعين العرب وعفرين. وهذا الطابع الطائفى الكريه يغذيه دخول إيران والعراق بقوة على الخط. بينما تُبذل محاولات لتوريط تركيا طائفيا فيما هى تبحث عن حل سريع لمشكلتها الكردية.
●●●
ثم هناك أخيرا المظهر المتعلق بدخول إسرائيل بقوة على خط الصراع الدائر فى سوريا. لا يخفى على أحد أن إسرائيل صاحبة المصلحة الأولى فى التدخل العسكرى بسوريا، وهى تنفخ فى قضية الأسلحة الكيماوية وتضغط من خلال الإيباك فى هذا الاتجاه. وبالتالى يجب أن يؤخذ عدوانها على سوريا فى هذا الإطار، لأن إسرائيل إن أرادت ضرب شحنة سلاح متجهة إلى حزب الله فلماذا ضربها فى سوريا وليس فى الأراضى اللبنانية، وإن كان هدفها هو حزب الله فلماذا تضرب الفرقة الرابعة ولواءين من الحرس الجمهوري؟ لا يقوى أوباما على اتخاذ قرار التدخل العسكرى بعد ما جرى فى أفغانستان والعراق، لكن لا ضير من تدخل إسرائيلى بالإنابة، مع أن هذا التدخل يعطى شرعية للدور الإيرانى ويحرج حلفاء المعارضة السورية. أكثر من ذلك ثمة تداعيات غير منظورة لضرب لواءى الحرس الجمهورى العلويين إذ يمكن أن يتساءل العلويون كيف يسمح النظام بذبحهم دون رد مناسب وهم من خسروا الرأى العام السورى فى الداخل؟
●●●
فى خضم كل تلك التعقيدات تُطرح فكرة جنيف2 ويجرى إحياء المبادرة المصرية ويعطى للأردن دور أكبر فى التسوية مع تفاقم مشكلة اللاجئين، وأظن أن عودة الحل السياسى للواجهة مبعثه أن لا أفق منظورا لحسم عسكرى. أما فرص هذا الحل السياسى فى النجاح فتلك قصة أخرى.
أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة