مظاهرة فى الحى الهادئ
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الخميس 16 ديسمبر 2010 - 11:09 ص
بتوقيت القاهرة
من قبل أن يعرف المارون بشارع عبدالعزيز فهمى المفضى إلى شارع العروبة بمصر الجديدة أن على بعد بضع خطوات منهم يوجد مقر اللجنة العليا للانتخابات، كان يثير فضولهم جدا انتشار متوسط الكثافة لرجال الأمن فى المكان وسيارة ضخمة للتلفزيون وفى بعض الأحيان سيارة أخرى للمطافئ وثالثة لطوارئ الكهرباء. تصور بعضهم أن حريقا والعياذ بالله قد شب فى إحدى الشقق المطلة على مبنى الكلية الحربية، لكن مكوث سيارة المطافئ فى مكانها ما لبث أن أسقط نظرية الحريق.
وتصور فريق آخر أن مسئولا مهما – رجح أنه فى وزارة الداخلية – انتقل للسكن بإحدى البنايات الفخمة المجاورة، لكن الرتب الكبيرة التى راحت تظهر بين الفينة والأخرى وتقطع الشارع الطويل جيئة وذهابا كانت تشى بأن هناك ما هو أخطر من ذلك بكثير. أخيرا ومع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية أحيط عابرو الطريق علما بأنه ها هنا توجد اللجنة العليا للانتخابات التى استحدثتها تعديلات عام 2007 للمادة 88 من الدستور، والتى استعاضت بها عن الإشراف القضائى الكامل على سير العملية الانتخابية.
عندما رَوَيت لصديقة برلمانية بارزة ما كان من حيرة أهل الشارع بشأن الاهتمام الأمنى غير العادى به قبل أن يتضح لهم أمره، ضحكت ضحكتها المميزة وقالت صادقة: تفعلين خيرا فى الناخبين والمرشحين معا إن أنتِ أخبرتهمِ بمكان اللجنة، فلا أحد يعلم عنه شيئا ! فمع أن انتخابات الشورى جرت بما لها وما عليها، إلا أن انتخابات الشعب لها سحر مختلف تماما، وبالتالى فإن ما جهله الناس عن اللجنة أثناء انتخابات المجلس الأول لا يمكن أن يجهلوه عنها فى ظل انتخابات المجلس الثانى.
وبالفعل، ما أن انطلقت الحملات الانتخابية البرلمانية حتى أصبحت اللجنة العليا للانتخابات ملء السمع والبصر. فإذا بنا نرى صورة السيد المستشار رئيس اللجنة فى الصحف ونقرأ له أحاديث وتصريحات، ويصبح مقر اللجنة معلوما وكذلك تشكيلها، أما دورها فقد فجر وما يزال جدلا قانونيا حار المواطن البسيط أمامه لأنه دار فيما بين مختصين تساءلوا: هل يجوز الاستشكال فى الحكم الصادر عن القضاء الإدارى أمام القضاء المدنى أم لا يجوز؟ فإن لم يكن يجوز فلماذا لم يدفع القاضى المدنى منذ البداية بعدم الاختصاص ويرفض النظر فى الاستشكال؟ كيف لا تنفذ اللجنة أحكام القضاء الإدارى بينما يجيز القانون الطعن فى قراراتها أمام القضاء الإدارى؟ كيف تعتبر اللجنة أن مجلس الشعب هو المخول بتنفيذ أحكام بطلان العضوية مع ما فى ذلك من تداخل واضح فيما بين السلطات؟
أما السؤال الأهم فهو كيف سينعكس هذا الجدل القانونى على وضع مجلس الشعب الذى يقطع فقهاء دستوريون ببطلانه فيما يقطع أقران لهم بسلامة تشكيله؟ وما هى حدود العلاقة بين السياسة والقانون؟ لقد كان هناك سببان معلنان للعدول عن الإشراف القضائى الكامل أو بالأحرى الإشراف الفعلى على الانتخابات، أحدهما عدم شغل القضاة، والآخر عدم تسيس القضاء، فبفرض أن القضاة لم ينشغلوا فهل أيضا لم يُسيسوا؟ أو لم يقف قضاة ضد قضاة؟
فى مساء جولة الإعادة يوم الأحد الموافق 5 ديسمبر الجارى، بلغ التجاذب الانتخابى وفى قلبه دور اللجنة العليا منتهاه. وتجمع نحو مائة معارض على بعد خطوات قليلة من مقر اللجنة يهتفون « باطل باطل»، واستنفر تظاهرهم طابورا طويلا من سيارات الأمن المركزى والدفاع المدنى، فضلا عن سيارتى المطافئ والتلفزيون بطبيعة الحال وعديد من الحواجز المرورية التى أحالت المكان إلى ساحة مغلقة وأحكمت حصاره.
انقلب حال الشارع الهادئ وصار غير الحال، أما سكانه فقد توزعوا ما بين الدهشة من صخب لا عهد لهم به فيه ولا هم ألفوه، والشعور بالأهمية لأن الحراك السياسى امتد أخيرا إلى نطاقهم تلاحقه كاميرات المصورين والفضائيات، والجزع من أن تزيد معاناتهم من زحام بات ضغطه على صبر المصريين لا يحتمل، واللامبالاة التامة كأن المشهد برمته يجرى فى بلد غير البلد وفى زمن غير الزمن.
على الزاوية وقف رجل خمسينى رث الهيئة يتفرج، تحدى التحذير المدون على علبة سجائره وأشعل آخر لفافة فيها وتمتم حانقا بصوت مسموع: هذا حال البلد اليوم مع انتخابات مجلس الشعب فكيف يكون الحال غدا مع انتخابات الرئاسة؟. لم يجد الكهل مَن يطيب خاطره ويطمئنه على أن انتخابات الرئاسة أهون بكثير... بكثير جدا، فلا تعدد حقيقيا فى مرشحيها ولا منافسة جادة فيما بينهم، وأن غدا سوف ينساب المرور فى شارعه الهادئ وينساه الناس، فإن ذكروه أو أصابه اختناق فلن يكون مبعثه بحال مكتب اللجنة العليا للانتخابات.