الشيخ والعوانس
عماد الغزالي
آخر تحديث:
الثلاثاء 17 مارس 2009 - 4:31 م
بتوقيت القاهرة
توقع الشيخ أن ُيسأل فى الجنة والنار وعذاب القبر والمهدى المنتظر ، فباغتته البنات بمائة سؤال فى العنوسة .
رد شيخ الأزهر ببضاعته ، ونصح طالبات آداب القاهرة فى لقائه بهن الأسبوع الماضى بالصبر ، وردد على مسامعهن الحديث النبوى " من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم " .
ذكرتنى الواقعة – من حيث دلالتها على الأقل – بأخرى جرت منذ عشرين عاما تقريبا ، كنت وقتها أجرى تحقيقا عن زواج الفتيات القصر من أثرياء عرب ، التقيت بالضحايا وأسرهن و"المصدّر" الرئيسى للرؤوس التى أينعت وحان وقت قطافها ، وهو مقاول أنفار عمل فترة بالسعودية ، وتصادف – والله العظيم بجد – أن كان اسمه قرنى !
استلزم الأمر أن أزورقرى الجيزة التى اشتهرت بهذه التجارة لأتعرف على أحوال ناسها، تجولت فى البدرشين والحوامدية والمنوات ، وفى الأخيرة حانت صلاة الجمعة فدخلت إلى مسجدها للصلاة ، وكدت أصرخ فى الخطيب الشاب الذى ألهب مسامع الناس بكلام مرعب عن عذاب القبر والثعبان الأقرع والحيّة أم شعر ، متجاهلا المصيبة التى يعيشها أهل القرية والتى دفعهم إليها فقرهم المدقع .
يتحدث شيوخنا الأجلاء عن فقه الأولويات وفقه الضرورات ، وأظن أن ظاهرة خطيرة مثل العنوسة ، والتى يرزخ تحت سياطها أكثر من 10 ملايين شاب وفتاة ، تستدعى اجتهادا مضاعفا يتجاوز الدعوة للصوم .
لاتثريب على شيخنا الجليل فقد رد من صحيح الحديث ، لكن ديننا الذى يدعو إلى الفضيلة والعفة وغض البصر ، يدعونا أيضا إلى التكافل والتعاون وإعمار الأرض ، ويقينا فإن الأرض لن تعمر بزواج سرى أو عرفى أو مسيار ، ولابزواج الدم والبصمة والنظرة ، وجميعها مما صار شائعا بين شباب الجامعة .
ثمة حلول بسيطة وممكنة ، تحتاج فقط إلى تنسيق بين أهل الخير من أثرياء مصر ورجال أعمالها ، وأكثرهم ينطوى على رغبة صادقة فى مساعدة الناس والأخذ بيد المحتاجين ، ولتكن البداية صندوق للزواج نفتح فيه باب الإكتتاب ، يبنى وحدات سكنية منخفضة التكاليف ويساهم فى تأثيثها ، تدارأمواله بشفافية ، ويضع شروطا موضوعية للمستحقين ، وبرنامجا زمنيا للتعامل مع الظاهرة وتخفيف حدتها.
البداية مهما كانت متواضعة ، ستعطى أملا لملايين الشباب والفتيات ، وأرجو أن تلاحظ أن البنات اللائى أمطرن شيخ الأزهر بأسئلتهن لم يصبحن بعد أعضاء فى نادى العوانس ، والمفترض أن تعكس نظرتهن للحياة قدرا أكبر من التفاؤل والثقة فى المستقبل ، لكن انسداد الأفق يشعرهن باليأس والعجز ، فيذبلن قبل الأوان .
أخشى أن المجتمع كله " شاخ " قبل أوانه ..
افتحوا للناس أبواب الأمل .