نتنياهو: الخطاب الصهيونى والمفارقة العربية

أحمد يوسف أحمد
أحمد يوسف أحمد

آخر تحديث: الأربعاء 17 يونيو 2009 - 10:49 م بتوقيت القاهرة

بعد عشرة أيام لا أكثر ولا أقل من خطاب أوباما فى القاهرة، الذى اعتبره البعض وثيقة «تاريخية» تتضمن رؤية أوباما لعلاقات بلاده بالعالم الإسلامى، وموقفها من أهم القضايا المثارة فى هذه العلاقة، ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو بدوره خطابا سياسيا يعكس رؤيته لحل ما اصطلحنا على تسميته بالقضية الفلسطينية. تضمن الخطاب أفكارا معروفة تكررت كثيرا على ألسنة قادة إسرائيل المعتدلين منهم قبل المتطرفين، وهى أفكار تتسق وتوجهات نتنياهو العنصرية، والبرامج السياسية لحزبه اليمينى المتطرف، بما فيها برنامج حكومته الأولى لعام 1996، ناهيك عن المزاج العام للمجتمع الإسرائيلى.

كان الجديد الوحيد فى خطاب نتنياهو هو إعلانه أن إسرائيل ستوافق على إقامة دولة فلسطينية، لكنه ربط ذلك بشروط تفرغ هذه الدولة من أى معنى لها كما كان متوقعا، فهذه الدولة لديه يجب أن تكون منزوعة السلاح، دون جيش أو سيطرة على المجال الجوى أو إمكان دخول سلاح، أو نسج تحالفات مع إيران وحزب الله، على أن يسبق نشأتها اعتراف الفلسطينيين اعترافا علنيا وصادقا وملزما بإسرائيل دولة يهودية. فى الوقت نفسه تمسك نتنياهو بموقفه من قضية الاستيطان عندما قال: «ليس لدى الرغبة ببناء مستوطنات جديدة، أو مصادرة أراض لتحقيق هذه الغاية، لكن المجال يجب أن يفسح أمام سكان المستوطنات كى يعيشوا فى شكل طبيعى»، رافضا وقف أعمال البناء فى المستوطنات القائمة، وذلك تلبية لاحتياجات «النمو الطبيعى». وبخصوص القدس ستبقى بطبيعة الحال وفقا لخطاب نتنياهو –ولأى خطاب سياسى إسرائيلى- عاصمة موحدة لدولة إسرائيل، أما اللاجئون الفلسطينيون فعودتهم إلى إسرائيل (التى تقوم على معظم ما كان وطنا لهم قبل نشأتها) مرفوضة، «وعليهم أن يعالجوا مشكلتهم خارج حدود الدولة العبرية».

لم يكتف نتنياهو بذلك، بل أجهض حتى إمكانية إنجاز خطوات جزئية على طريق التسوية كان يستعاض بها أحيانا عن الوصول إلى تسوية شاملة لغرض تخدير الفلسطينيين، أو عدم إراقة ماء وجه مسئوليهم، وذلك عندما ضمن خطابه رفضا واضحا لأى انسحابات أخرى أحادية الجانب، طالما أن «كل انسحاب انتهى بإرهاب وهجمات خارجية»، ولا بأس من اختتام هذا الاستعراض للأفكار الأساسية فى خطاب نتنياهو بدعوته «جيرانه الفلسطينيين والقادة الفلسطينيين» إلى استئناف فورى لمفاوضات السلام «من دون شروط مسبقة»، بعد أن كبل عملية التسوية برمتها بشبكة معقدة من شروطه المدمرة لأى أمل فى السلام.

لن يحصل الفلسطينيون إذن على أى شىء يطالبون به، فالاستيطان باق ومتوسع، واللاجئون يمكن أن يتكدسوا فقط فى قطعة من الأرض لم يعلمنا نتنياهو بحدودها، وقطعة الأرض هذه ستسمى دولة إرضاء للفلسطينيين المعتدلين وأشقائهم العرب، وهروبا من التناقض المحتمل مع السياسة الأمريكية بشأن حل الدولتين. والواقع أن المتأمل فيما ذكره نتنياهو بشأن «دولة» فلسطين التى وافق عليها سرعان ما سوف يكتشف بمنتهى السهولة أن أفكاره هذه هى نفسها أفكار اليمين الإسرائيلى الثابتة منذ استكمال إسرائيل احتلال الأراضى الفلسطينية فى عدوان1967، والتى لا ترى إطارا لحل مشكلة الفلسطينيين الذين خضعوا للحكم الإسرائيلى بعد تلك السنة سوى «الحكم الذاتى»، فلن يكون أحد من السذاجة بحيث يتصور أن نتنياهو يعرض علينا دولة أو حتى دولة ناقصة السيادة فى ظل رؤيته التى طرحها بخصوص مقومات تلك «الدولة» وخصائصها، والتى لم تشمل لأسباب مفهومة تحديدا لإقليمها.

كان من الطبيعى أن تأتى ردود الفعل العربية على خطاب نتنياهو على نحو غاضب ومستنكر، لكن فجاجة الخطاب جعلت الفلسطينيين والعرب المعتدلين يبدون ردود فعل شديدة الاستنكار لما تضمنه الخطاب، وكان لافتا بحق رد فعل السلطة الفلسطينية التى اعتبرت الخطاب حزاما ناسفا للمفاوضات، بل وصل الأمر بممثلها إلى الدفاع عن حماس منكرا مسئوليتها عما تفعله السياسة الإسرائيلية الراهنة، لأن تلك السياسة ــ كما قال بحق ــ موجودة قبل أن يكون لحماس حضور فى غزة، وربما يمكن تفسير ردود الفعل هذه بأن أصحابها كانوا يحلمون بأن «ظاهرة أوباما» كفيلة بإحداث نوع من التغيير فى الخطاب السياسى الإسرائيلى، وربما لأن نتنياهو ضرب فى الصميم شرعية نهجهم السياسى القائم على فكرة الخيار الاستراتيجى الوحيد، والتفاوض ولا شىء غيره إلى يوم القيامة.

لكننى أخذت أتأمل حقا فى ردود الفعل الفلسطينية والعربية الغاضبة تلك، وعادت بى ذاكرتى إلى الوراء أياما قليلة عندما ألقى أوباما خطابه من القاهرة، وقوبل من هذه الدوائر الفلسطينية والعربية ذاتها بموجة من الإعجاب والتفاؤل، ومن شاء أن يبدى رصانة مطلوبة فى ردود أفعاله وصف الخطاب بأنه جيد ومتوازن. وسألت نفسى ما الذى ارتكبه نتنياهو حتى تحدث كلماته ردود الفعل الغاضبة تلك مع أنه لم يختلف إلا قليلا فى خطابه عما ورد فى خطاب أوباما؟

لقد تمسك أوباما فى القاهرة بحل الدولتين، وها هو نتنياهو يزايد على هذا التمسك، ويضيف إليه تفاصيل لا تتناقض بالتأكيد مع رؤية أوباما، لأنه لم تكن لديه أصلا رؤية فى الموضوع، واشترط نتنياهو اعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة الإسرائيلية التى سلم بها أوباما غير مرة، بما فى ذلك فى خطابه الأخير من القاهرة، ورفض عودة اللاجئين إلى «الدولة العبرية» مطالبا إياهم بالبحث عن حل لمشكلتهم فى مكان آخر، فيما تجاهل أوباما مشكلتهم أصلا، وأعلن التمسك بالقدس عاصمة موحدة لدولة إسرائيل، وهو إعلان لا يتناقض من قريب أو بعيد مع رؤية أوباما لقدس يتعايش فيها اليهود والمسيحيون والمسلمون، ويصلون فيها سويا، وفقا لخطابه فى القاهرة، دون أن يأتى على ذكر موقفه من ضم إسرائيل القدس الشرقية بعد احتلالها فى 1967، خلافا لما تقضى به قواعد القانون الدولى وقرارات مجلس الأمن.

يبقى الموقف من الاستيطان ساحة وحيدة لخلاف محتمل بين وجهة النظر الأمريكية التى تصر على رفض استمرار الاستيطان، بما فى ذلك التوسع فى القائم من المستوطنات، بينما تنازل نتنياهو فأعلن أنه لا ينوى إقامة مستوطنات جديدة، وإن كان مستحيلا وقف التوسع فيما هو قائم لتلبية احتياجات النمو الطبيعى.

«التوسع فيما هو قائم» إذن هو المشكلة الوحيدة، خاصة عندما نتذكر جيدا أن أوباما لم يطالب فى أى وقت من الأوقات بتفكيك المستوطنات القائمة وإنما بوقف الاستيطان، أى أن الكتل الاستيطانية الكبرى باقية، وسوف تؤخذ بعين الاعتبار بالتأكيد عند تحديد الأراضى التى سيقوم عليها ما يسميه نتنياهو بالدولة الفلسطينية. أما الخلاف حول التوسع فى المستوطنات القائمة فهو خلاف ثانوى تسهل تسويته لاحقا فى إطار العلاقة الإستراتيجية التى لا تنكسر بين إسرائيل والولايات المتحدة كما وصفها أوباما.

كيف نفسر هذه المفارقة الفلسطينية العربية؟ كيف يحتفى فريق من الفلسطينيين والعرب ذلك الاحتفاء بشىء ويبنون عليه آمالا كبارا، ثم ينقلبون بهذه الحدة على شىء آخر لا يتناقض من قريب أو بعيد مع ما احتفوا به منذ أيام قليلة؟ وهل يمكن أن تصل الغفلة وسوء الحسابات إلى هذا الحد؟ أم أن كلمات الرئيس الأمريكى يجب أن يكون لها احترامها وتوقيرها بغض النظر عن مضمونها؟ أخشى أن تفيد الإجابة عن هذه الأسئلة معنى أن دوائر عربية مسئولة عديدة لم تدرس خطاب أوباما فيما يتعلق بالصراع العربى ــ الإسرائيلى الدراسة الواجبة، وهكذا بينما صعب على هذه الدوائر أن تبتلع صراحة نتنياهو سهل عليها أن ترحب بعدد من الأفكار العامة التى أدلى بها أوباما، والتى يمكن أن يتم تأويلها فى أكثر من اتجاه، وهو ما فعله نتنياهو تحديدا، فكرر أفكار أوباما على مسامعنا وإن بمصطلحات صهيونية، ولو استمر هذا النهج الفلسطينى العربى فى التعامل مع واحدة من أخطر قضايا الحاضر والمستقبل العربيين، فإن مزيدا من سوء المنقلب سوف يكون بالتأكيد فى انتظارنا.

يحتاج الأمر إذن إلى مراجعة جذرية للنهج الفلسطينى والعربى فى التعامل مع مسألة التسوية، وأولى خطوات المراجعة هى تعلم أبجديات القراءة السياسية، وثانيتها هو التوقف عن لعب دور «الحكم» الذى تبدو معه مسئوليتنا الوحيدة عن قضايانا الكبرى محصورة فى إبداء الآراء فيما يمر أمام أعيننا من تطورات، فهذا خطاب بناء، وتلك أفكار تنسف التسوية، أما الفعل الفلسطينى والعربى فهو حتى الآن غائب تماما، بل لقد وصل التدهور بنا إلى ما دون الاستعداد للفعل، وليس علينا لكى نتأكد من هذا إلا أن نلقى بنظرة عابرة على أى صحيفة يومية عربية لنتابع تطورات الخلاف الفلسطينى ــ الفلسطينى أو العجز العربى المزمن عن بلورة موقف موحد وفاعل تجاه ما يدبر لمستقبلنا على أيدى خصومنا. 
 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved