اثنان فداء للوطن (فى ذكرى النكبة)
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الخميس 19 مايو 2011 - 8:58 ص
بتوقيت القاهرة
فى أول مرة ترى فيها خالدا لا شك أنك ستحسبه فى بداية حياته الجامعية لم يزل. فلسطينى من غزة، قصير القامة نحيل الجسم، لوحت ساعات الانتظار الطوال على المعبر بشرته البيضاء، وترك اعتياد النوازل والملمات ابتسامة لا تفارق شفتيه رسالتها تقول: لا شىء يهم. لا يتذكر عدد المرات التى أنقذته فيها العناية الإلهية من موت محقق، ويتحدث عن أيام الاعتقال فى سجون كل من إسرائيل وحماس باستخفاف لأن غيره هناك كثيرون يقضون جل عمرهم فى المعتقل.
عندما التقيته لنتناقش فى موضوع أطروحته للماجستير فاجأنى أنه تخطى الثلاثين، وفاجأنى أكثر بأنه أب لأربعة أبناء: بنت وثلاثة صبية والخامس فى الطريق. بالقطع لا يترك واقع غزة المُر مجالا للحديث عن تفاوت طبقى أو تمييز بين من يملكون ومن لا يملكون أقصد من عامة الشعب، لكن مع ذلك فإن المظهر الخارجى لخالد بقميصه الأرجوانى المشمور، ومعصمه الخالى من ساعة يد، وخنصره الذى لا تطوقه دبلة زواج من فضة، علامات تؤشر على تواضع حاله. سألته: خمسة أولاد يا خالد؟ أجاب: إيش بدنا نعمل يا دكتورة اثنان للوطن وثلاثة إلنا! خُيل إلىَ أن ابتسامته الدائمة غاضت لحين،وهوى قلبى إلى الأعماق.
فى كل المرات اللاحقة التى تردّد على خالد كان بصحبته أحد أبنائه يحمل عنه بعض أوراقه أو يناوله قلما أو يسحب له رقما من ماكينة الانتظار يحجز به دورا فى الصف،وعندما ناداه أبوه ذات يوم يا (باسم) أتيح لى أن أعرف اسمه وإن يكن عكس أبيه لا يبتسم. طفلُ فى العاشرة هو ثانى أبناء خالد، على ملامحه جدية فائقة لا تتناسب بحال مع سنه الصغيرة، يعطيك الانطباع بأنه رجل ناضج، يجلس ساكنا يستمع إلى حوار الكبار مع كل التفاصيل المُملة التى بالقطع لا تعنيه، ولا يتحرك إلا ليقضى لأبيه حاجة ثم يعود أدراجه معقود الذراعين. عندما أشفقت عليه من الملل وحاولت أن أُسرى عنه فضيفته بعلبة عصير وقطعة حلوى مد يده فى توجس ليأخذهما، والأدق أنه اختطفهما من دون كلمة شكر واحدة، أشاح عنى بوجهه وثبت نظره على الحائط، وراح يرتشف العصير.
حاول خالد أن يخفف دهشتى من سلوك ابن العاشرة فألقى إلى بتفسير تعثر فى المسافة الفاصلة بين أذنى وعقلى لفرط غرابته فطلبت منه أن يكرره لأتأكد أنه قال فعلا سمعته، ففعل. حكى خالد: باسم هو أحد ابنين اثنين حدثتك أنى وهبتهما للوطن فتكوينهما الشخصى يؤهلهما للشهادة، أما الابن الثالث وهو الأكبر فالأرجح أنه لن يكون مقداما.الأمل اليوم معقود على باسم فقد شهد حرب غزة الأخيرة نهاية عام 2008 ومطلع عام 2009، ورأى بعينيه كل ما أسالته العدوانية الإسرائيلية من دماء زكية بعضها كان لأبناء جيران تربى معهم وصاحبهم فتملكه غضب عظيم لا يفتح فمه بكلمة ولا يحرر الدمع المحبوس فى مآقيه. باسم جرئ لا يخاف فعندما استيقظ ذات يوم على بعض رجال حماس يدفعوننى إلى الخارج ظنا منهم أنى محسوب على فتح، استل سكينا يدفع به عنى الأذى لكن يد أمه كانت هى الأسبق فمنعته. صّفقَ الجنود باب الدار من خلفى وتناهى إلىَ سمعى صوت نشيجه فحثثت الخطى لأبتعد. أرجوك لا تعتبى عليه يا دكتورة فالبيئة الجدباء لا تنبت إلا صبارا
لن أعتب عليه أبدا يا خالد، بل بهرنى كلاكما، هو الذى يلعب دورا ليس دوره ويضع على أكتافه سنوات تفوق عدد سنوات عمره، وأنت الذى تعرف بالتحديد أى أبنائك سترسله فداء للوطن، فإذا أنت تصحبه معك فى حلك وترحالك تريد فى لا وعيك أن تشبع منه قبل أن تحين الساعة ولا يبقى من باسم غير قميصه ذى المربعات الحمراء. يارب! أى قدرة لكليهما على أن يذوب فى الوطن. هو قاس جدا أن تعرف أن هذا الابن بالتحديد موهوب للوطن، أن تربيه وتعلمه وتتسامر معه وتأتمنه على سرك، وفى ذهنك أنه هو بالذات لن يكون سندك حين تكبر وأنك أبدا لن ترى لك منه أحفادا. أن يتخذ أحد الأبناء قرار الشهادة هذا شئ، وأن يقع اختيارك على ابن أو ابنين للشهادة فهذا شىء مختلف كل الاختلاف.
باسم ليس بصبار يا خالد، بل هو فرع من نبات اللبلاب الذى يتسلق جدران بيوت فلسطين فيظللها من حر الصيف ويطوق أنقاضها حين تنهار على من فيها بفعلٍ إسرائيلى همجى. وفلسطين ليست بيئة جدباء بل هى بيئة مزهرة تتفتح كل يوم فيها مئات الأزهار حملت بذورها الأمهات الفلسطينيات وهنا على وهن وغرسنها هبة للوطن فى أرضه الغالية.
تتجدد ذكرى النكبة ويمر عليها ثلاثة وستون عاما فأشعر بشوق كبير إلى باسم، أراه العضو الأول فى صفحة الانتفاضة الفلسطينية الثالثة يجادل بعض الكبار الذين يحذرونه من أن إسرائيل لن تتهاون مع زحف الشباب من كل أرجاء الوطن العربى إلى حدودها إحياء لذكرى النكبة وتأكيدا لحق العودة، يهز كتفيه متسائلا ومنذ متى تتهاون إسرائيل؟ ينقطع حبل الحديث ولا تلين له قناة فيولى وجهه صوب رفح الفلسطينية، يحصد رصاص الصهاينة أرواح العشرات على كافة نقاط التماس ويبدأ تجهيز باسم لموكب الشهادة.