سواقة بنات

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الإثنين 19 مايو 2014 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

استطاع هذا الكتيب الصغير الذى يحمل عنوان «سواقة بنات» أن يدخل البهجة إلى نفسى على مدى ساعة قضيتها مع مؤلفته الشابة عبير عبدالوهاب. يدخل هذا الكتاب فى إطار الأدب الساخر الذى اشتهر به الشباب فى تجاربهم المبكرة مع الكتابة، ومن الواضح أن هذا الأدب له جمهور كبير ربما لمواجهة تعقيدات الحياة اليومية للمصريين، والدليل أن «سواقة بنات» صدرت منه أربع طبعات من ديسمبر 2013 وحتى مارس 2014.

•••

تحكى المؤلفة الشابة بخفة ظل عن خبرتها فى عالم القيادة، وتحاول أن تغير الفكرة الشائعة فى الشارع المصرى عن أن النساء لا يجدن القيادة. لكن إن كان هدف عبير هو أن تُضحك القارئ فإنها قد نجحت، أما إن كان هدفها هو تغيير الصورة النمطية عن قيادة المرأة فإنها بالعكس قد أكدتها.

دخلت عبير عالم القيادة عبر لعبة السيارات المتصادمة فى ملاهى السندباد ورأت الفزع فى وجوه الأهالى وسيارتها ترتطم بقوة بسيارات أبنائهم، وحولت السيارة الكيا الكحلى المملوكة لوالدها إلى أطلال منذ أصبحت عبير أول سائقة تحرز هدفا بسيارتها حين دخلت وسط القائم الخشبى الذى نصبه الشباب فى المكان البعيد الهادئ. كسرت ذراع مدرب القيادة بعد أن عهدت بتعليمها إلى متخصصين وتوارى من أمامها زملاء المدرب المسكين خوفا من أن يلقوا المصير نفسه. اخترعت طريقتها الخاصة جدا فى القيادة واستمتعت بهذه القيادة بدون إشارات أو مرايا وأحيانا بدون حتى فرامل، ولم تتورع عن إخراج ذراعها عن آخره من النافذة حتى يجف طلاء أظافرها وليفهم قائدو المركبات حولها من هذه الحركة ما يشاءون.

هكذا فإنه فى حدود أن كتيب عبير للتسلية والإضحاك فرسالته مقبولة، ولغته كما هى لغة كثير من الشباب تحول المنطوق إلى مكتوب «خيال واسع أوى»، تستخدم مصطلحات فى غير مواضعها «يا ريت نبطل إرهاصات» وتقصد بها الأحكام المسبقة. لا تتورع عن استخدام عبارات يعتبرها جيلنا سبا حتى فى العنوان الفرعى نفسه للكتيب «أبو اللى علمكوا السواقة» وهذا العنوان الفرعى عبارة عن هاشتاج تحول إلى عمل أدبى.

•••

لكن على الجانب الآخر ينحاز الكتيب إلى الفكرة التى يحاول نفيها عن أن القيادة اختصاص ذكورى بامتياز، وهذا «إرهاص» خاطئ!، فالقيادة كالسباحة كالرسم كالأدب موهبة تتوفر لبعض من البشر وتنقص آخرين بغض النظر عن جنسهم. أنا أقود أفضل من أحد أخوى، وصديقة عمرى سائقة ممتازة، ولى قريبان زوج وزوجة قائدان فاشلان، وجارتى اعتزلت القيادة بعد أن وجدت أن الاستعانة بسائق محترف أرخص وأسلم. المرأة حين تقود بالذات وهى أم ومعها أطفالها تذهب بهم إلى مدارسهم وتعود تكون شديدة الحرص، وإنك لن تجد امرأة تقود وعلى ركبتيها طفل عمره شهور لكنك ستجد رجالا كثيرين يفعلون ذلك بفخر بل ويشركون أبناءهم فى القيادة. لن تجد امرأة تحول كل زجاج السيارة إلى اللون الفيميه أو تتعمد طمس أرقام اللوحة المعدنية أو تتراخى سنين فى تجديد رخصتها، هى تعلم جيدا أن الشارع المصرى ظالم ومتحفز وجاهز لسؤال: من الذى دفعك إلى الخروج من بيتك؟، هذا السؤال نفسه هو الذى يجعلها تتفادى الحوادث ما أمكن فأحد لن ينصفها وسيتحول بعض المارة إلى شهود زور حتى وإن كان الحق معها.

•••

أعادنى كتيب عبير عبدالوهاب إلى رحلتى مع القيادة، تذكرت أول سيارة حمراء 128 امتلكتها من حر مالى وأنا فى السادسة والثلاثين من عمرى، تذكرت كيف كنت أخاف عليها وكيف أودعت التابلوه مصحفا شريفا كى يحفظها الله لى قبل أن أجلس على مقودها، كيف كنت أنظفها و أعطرها وأدللها بالدباديب كما تقول عبير، حتى إذا انتقلت إلى سيارة أكبر منها أحسست أننى أفقد قطعة من نفسى فعلاقتى بالأشياء تستمر وتدوم، وها أنا ذا بعد سنوات طويلة من بيعها أشتاق إليها وأفتش عنها فى كل سيارة حمراء قديمة تمر أمامى. إن قيادة المرأة ليست أفضل من قيادة الرجل ولا أسوأ، لكن المؤكد أنها أرحم وأكثر إنسانية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved