فى كل أسبوع يوم جمعة
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الإثنين 19 أغسطس 2013 - 8:00 ص
بتوقيت القاهرة
العنوان مأخوذ من رواية للأديب القدير إبراهيم عبدالمجيد لكن المضمون مختلف. اعتادت العائلة أن تلتئم كل يوم جمعة بعد الصلاة ولمدة تزيد على الساعة فى منزل عميدتها. هذا اللقاء الأسبوعى يحافظ على شعرة معاوية بين الأجيال المختلفة حتى لا يصبح كل ما يربط بينها مجرد إسم العائلة، ومع أن اللقاء فى الأصل كان مناسبة لتبادل الأخبار الاجتماعية إلا أنه تحول مثل كل مناسبات المصريين بعد ثورة يناير إلى ملتقى لمناقشة الأوضاع السياسية.
دخل علينا أحد أفراد العائلة وهو مهندس حاسبات مرموق وحاصل على درجة الدكتوراه فى مجال تخصصه، كانت على وجه علامات العبوس وخرجت «السلام عليكم» بصوت منخفض جدا من بين شفتيه فلم يسمعه الجالسون فى زاوية الصالة حتى أن أحدهم عاتبه بالقول «يا أخى قل السلام عليكم»، رد بإيجاز « قلت». تحول الشاب فى لحظات إلى بؤرة اهتمام الجميع فهذا من صميم أهداف الجلسة الأسبوعية العائلية، وفتحت فضفضته الباب لمناقشة سؤال الساعة هل قضية أنصار الرئيس المعزول تتعلق بالإسلام أم بالسلطة؟
●●●
قال ياسر: يقتلنى إحساس أننى بخروجى يوم 30 يونيو شاركت فى الخروج على الإسلام، صحيح أننى لست مسئولا عن دم الشهداء الذين سقطوا فى الدفاع عن دينهم لأنى لم أقدم تفويضا بقتلهم فى 26 يوليو، لكننى خرجت ضد الإسلام وخُدعت مع غيرى من المخدوعين. كان حديث ياسر صادما من أكثر من زاوية، فهو على أعلى درجة علمية ممكنة، وهو عندما قرر النزول فى 30 يونيو كان مقتنعا أن محمد مرسى الذى صوت له فى الجولة الرئاسية الثانية قد فشل فى تحقيق أهداف الثورة وسد أذنيه عن التغيير مما أوجب تغييره هو نفسه، فكيف تحول الأمر من الخروج على مرسى إلى الخروج على دين الإسلام؟
ألقى أفراد العائلة على كاهلى بمهمة استجلاء الأمر من ياسر بحكم التخصص، رغم أن الأمر كانت له جوانب فقهية وشرعية أخرى لست مؤهلة للخوض فيها، لكن على أية حال تصديت للأمر وحاولت حصر النقاش فى السياق السياسى ــ الاجتماعى. كانت شواهد ياسر على رأيه أن الغالبية الساحقة ممن سقطوا فى المواجهات المتكررة مع الشرطة والجيش كانوا من المنتمين للتيار الإسلامى، وعلى أن مقطعا من فيلم فيديو يثبت أن هناك نية لعلمنة الدستور الجديد، وعلى أن زميلاته المحجبات صرن يتعرضن للإيذاء اللفظى من جراء حجابهن، وهن لسن متأكدات أنه بعد مرسى سوف يسمح لهن بالاحتفاظ بالحجاب.
لم يكن أغرب من موقف ياسر إلا الأسس التى قام عليها، فأن يكون إسلاميون بالأساس من سقطوا فى المواجهات الأمنية المتكررة فلأن هؤلاء يمثلون الغالبية الساحقة من أنصار مرسى، وأن يُبث مقطع مدته ثوان فقط من فيلم فيديو طوله ساعة ونصف معناه أن المدة الباقية تتضمن حقائق حرص من اقتطعوا الجزء المذاع على إخفائها، أما قضية نزع الحجاب فهذه والله أكثر الحجج تهافتا. هل دخل الحجاب مصر مع مرسى؟ كم نسبة السافرات فى مصر؟ لماذا شاركت نساء محجبات ومنتقبات فى كل فعاليات الثورة قبل مرسى وبعده؟ ما القول فى الممارسات المضادة التى تتعرض بموجبها فتيات غير محجبات لمضايقات بل وتحميلهن مسئوليتها لمجرد أنهن سافرات؟
●●●
الصمت الطويل لياسر بعد مناقشة مبرراته الواحد تلو الآخر لم يكن يُبشر بخير، فالشاب شديد الأدب جم الحياء والأرجح أنه رأى التزام الصمت إزاء ما يقنعه منطقيا لكنه يقاومه ثقة فى من قالوا له إنه خرج على الإسلام يوم خرج ضد مرسى، فلقد صنعت هذه الثقة حاجزا أسمنتيا كحواجز ميدان رابعة العدوية أمام تقبل عقله الرأى الآخر. وهكذا لم يغير ياسر من موقفه وكل ما استطعت انتزاعه منه هو وعد بتكرار المناقشة فى جلسة أسبوعية قادمة، ولعله يجئ.