هواجس حول التقارب المصرى ـــــــ الروسى

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 20 فبراير 2014 - 5:30 ص بتوقيت القاهرة

أثارت زيارة وزيرى الدفاع والخارجية المصريين لموسكو قبل بضعة أيام جدلا واسعا من حولها، ونقلت مؤقتا مستوى الاهتمام من دائرة الداخل المصرى بمشاكله وتعقيداته إلى الخارج الدولى بفرصه وقيوده. ويحاول هذا المقال مناقشة بعض الهواجس المثارة بخصوص التطور الملموس فى العلاقات المصرية ــ الروسية منذ أكتوبر 2013 وحتى الآن.

إحدى هذه الهواجس هو الخوف من أن تنتقل إلينا العدوى الروسية سواء فيما يخص شكل النظام السياسى الذى يبتعد عن التداول الحقيقى للسلطة ويفرض قيودا على حرية الفكر والرأى والمعتقد، أو فيما يخص علاقات النظام الخارجية مع دول غير ديمقراطية على شاكلة إيران وسوريا. ومبعث هذا الخوف كما قيل هو أن الدول الصغيرة عادة ما تتأثر بالنماذج التى تقدمها الدول الكبرى. وفى تفنيد هذا الرأى يمكن القول إنه يدحض نفسه بنفسه فلو أن الدول الصغيرة تقلد الدول الكبيرة فى ممارساتها الداخلية لقلدت مصر بريطانيا، التى احتلتها لمدة سبعين عاما، أو لتأثرت بالولايات المتحدة التى تحتفظ معها بعلاقة مميزة جدامن نحو أربعين عاما، فإذا كان التسلط معديا فلماذا لا تعدى الديمقراطية بدورها؟

•••

من جهة أخرى فإن الولايات المتحدة فى علاقاتها الخارجية لا تقدم دروسا لأحد فيما يخص الديمقراطية، فدورها معروف فى إطاحة حكومة مصدق بإيران عام 1953، وهو الدور الوحيد الذى اعتذرت عنه وزيرة الخارجية مادلين أولبريت عام 2000، كما أنها قدمت دعما عسكريا مباشرا لانقلابات كولومبيا والبرازيل وشيلى فى الخمسينيات والأرجنتين وبيرو فى الستينيات، تحالفت مع نظام برويز مشرف فى باكستان وأيدت الجماعات الإسلامية فى حربها على الاتحاد السوفييتى داخل أفغانستان ومدت جسورا للتواصل مع جماعة الإخوان المسلمين، وهى حاليا تسعى للتقارب مع إيران ويهدد أوباما باستخدام حق الفيتو إذا أصر الكونجرس على استمرار العقوبات الاقتصادية عليها. علمنا أساتذتنا فى كلية الاقتصاد أن السياسة هى لغة المصالح، وأن الأيديولوجيات البراقة أول ما يضحى بها إذا ما تعارضت مع الأمن القومى، والولايات المتحدة ليست استثناء من ذلك، مثلها مثل روسيا الاتحادية. وفيما يخص الخوف من التأثير الروسى على موقف مصر من القضية السورية، فإنه بعد إطاحة الإخوان تبنت مصر موقفا متوازنا يقوم على إدانة جرائم النظام السورى من جهة، والرفض القاطع لتوجيه ضربة عسكرية لسوريا من جهة أخرى فيما كان محمد مرسى يدعو لفرض منطقة حظر جوى فى سوريا، وهى السياسة التى أدت إلى كارثة العدوان على العراق ثم تمزيقه لاحقا.

•••

من الهواجس الأخرى التى يعبر عنها البعض الخوف من أن تستبدل مصر قطبا بقطب. دع عنك أنه حين زار مرسى الرئيس بوتين فى منتجع سوتشى فى أبريل 2013، احتفل الكثيرون بهذه الزيارة ووصفوها بأنها «محاولة للقفز من القطار الأمريكى» وأنها مثلت «صدمة للحليف الأمريكى»، ما يعنى أن المشكلة ليست فى تطوير العلاقة مع روسيا لكن فيمن يقوم تحديدا بهذا التطوير. دع عنك هذا الأمر فإن التصريحات الأخيرة والكثيرة للمسئولين الرسميين المصريين عن أن الأمر لا يتعلق بتبادل الأدوار بين روسيا وأمريكا، وأن روسيا ليست بالدولة قليلة الأهمية، التى يمكنها أن تلعب دور البديل، هذه التصريحات تؤكد أن الأمر يتعلق بتنويع شبكة علاقات مصر الدولية وإعادة درجة من التوازن لسياسة مصر الخارجية. لأسباب عملية صِرفة لو فكرت مصر فى الاستغناء عن السلاح الأمريكى والاعتماد على الترسانة العسكرية الروسية فإن هذا لن يمكن قبل عشرين عاما على الأقل. لكن فى الوقت نفسه فإن مصر لا يسعها انتظار اللحظة التى تفتقد فيها الإدارة الأمريكية الأمل فى الرهان على جماعة الإخوان المسلمين، لتعيد تقييم الموقف المصرى الداخلى وتستأنف إرسال شحنات السلاح وقطع الغيار. وأمام مصر فرصة تاريخية هيأها لها قيام دول الخليج نفسها بالبحث عن نقطة توازن فى علاقاتها الخارجية نتيجة خلافها مع الإدارة الأمريكية، حول حزمة قضايا أبرزها إيران وسوريا ومصر بعد 30 يونيو. وفى هذا السياق يأتى تمويل السعودية والإمارات لصفقة السلاح الروسية لمصر بمبلغ 2 مليار دولار. إن الولايات المتحدة هى القطب الأعظم فى العالم، لكنها ليست القطب الوحيد، وهذا يتيح هامشا للمناورة أمام الدول الصغيرة وليس من الذكاء التنازل عن هذا الهامش.

•••

الهاجس الثالث والأخير، هو تجدد الحديث عن تفاهمات سرية تمنح بمقتضاها مصر قاعدة بحرية لروسيا على شاكلة القاعدة الروسية فى ميناء طرطوس السورى، أو بديلا لها فى حالة سقوط نظام بشار الأسد. مثل هذه المخاوف كان قد تم التعبير عنها بوضوح نهاية العام الماضى، بعد إساءة ترجمة حديث لوزير خارجية روسيا سيرجى لافروف أدلى به لصحيفة روسية صَوّر فيه أن ثمة تفاهما مع مصر على إعطاء بلاده قاعدة عسكرية. ما قيل فى دحض هذه المخاوف قبل أربعة أشهر لا بأس من تكراره مجددا، وهذا هو أنه إذا كانت الموجة الثانية لثورة 25 يناير تفخر أكثر ما تفخر بتأكيدها على الاستقلال الوطنى، ورفض الضغوط الأمريكية لإرغام النظام الجديد على التنسيق مع الإخوان، فإنه لا يعقل أن ينتحر هذا النظام ويسمح بإقامة قاعدة عسكرية لروسيا أو لغير روسيا على أرضه. وفى الكثير فإن المطروح لن يخرج عن كونه تقديم تسهيلات بحرية لروسيا فى الموانئ المصرية كما تحصل الولايات المتحدة على تسهيلات كبيرة فى قناة السويس. قال جيمس إن ماتيس قائد القيادة المركزية الأمريكية أمام لجنة الخدمات المسلحة، بمجلس الشيوخ فى 5 مارس 2013 تبقى مصر فى مكانتها ضمن أهم شركائنا فى مواصلة السير فى عملية السلام والاستقرار الإقليمى، ضمن مسرح عمليات القيادة المركزية الأمريكية. فلا يزال المصريون يدعمون أذون التحليق خاصتنا ويقدمون تسهيلات العبور من قناة السويس، ولهم مستشفى ميدانى فى أفغانستان يدعم حملة الناتو، وشهد شاهد من أهلها على زمن الإخوان.

•••

أختم بطمأنة كل الحريصين على ألا تضر علاقة مصر بروسيا علاقتها «الاستراتيجية» مع أمريكا بأنه فى نفس ذات الوقت، الذى زار فيه قائد قوات الجوية الروسية مصر قبل يومين، زارها فيه رئيس لجنة المخابرات الأمريكى على رأس وفد من الكونجرس، وليس أكثر من ذلك توازنا فى العلاقات!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved