هل آن للستار أن ينسدل؟

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 20 مايو 2010 - 12:01 م بتوقيت القاهرة

 فى تلك الأمسية لم يكن أى من المشاهدين يثق أنه سيدرك نهاية العرض الذى ذهب خصيصا لمشاهدته، وأن الستار سوف يُسْدَل معلنا نهاية المسرحية، فما أكثر المرات التى دخل فيها هؤلاء المشاهدون إلى قاعة المسرح وربما حتى جلسوا فى المقاعد نفسها ثم خرجوا بمتعة منقوصة، لأن العرض لم يتم فصولا.

تعددت الأسباب التى كانت تحول دون بلوغ المسرحية نهايتها الطبيعية، فتارة يتلاسن أبطال العرض ويختلفون، وأخرى يجرى الخروج على النص فيرتبك العمل وتعم الفوضى، وثالثة تتغيب شخصية رئيسية لا غنى عنها للحبكة الدرامية، أما النتيجة فواحدة: يفقد المشاهد بعض وقته ويداخله شعور بالإحباط. لكن الغريب أنه رغم تكرار الإلغاء لم يتورع المتفرجون عن مشاهدة العرض منذ بدايته، والأغرب أنه بمرور الوقت لم يعد ينتابهم شعور بالإحباط.

وجدتُ نفسى فى داخل هذا السياق وأنا أتابع شريط الأخبار يمر أمام ناظرى عشية يوم الاثنين الماضى وأقرأ عليه ما يلى: توصُل إيران وتركيا والبرازيل إلى اتفاق حول تبادل اليورانيوم المخصب. قلتُ فى داخلى: هل يُسْدَل الستار فى هذه المرة وتنتهى أزمة ما بات يعرف بالملف النووى الإيرانى؟

تشككتُ كثيرا فخبرة ثمانى سنوات من السجال الإيرانى/الدولى منذ الكشف عن قيام إيران بتخصيب اليورانيوم سرا وحتى اليوم تؤشر على أن الوقت مازال مبكرا جدا لإسدال الستار، بل إن الاتفاق الذى تم التوصل إليه سوف يثير من الأسئلة أكثر بكثير مما يقدم من إجابات، وهذا ما أكدته بوضوح ردود الفعل الدولية الفورية على الاتفاق على ما سوف يلى بيانه. لكن دعونا قبل مناقشة ردود الفعل الدولية نسأل: لماذا البرازيل وتركيا؟ ولِم الآن؟ وماذا تكسب إيران من هذا الاتفاق؟ وكيف سيتعامل المجتمع الدولى مع هذا التطور؟

1 ـ يجمع إيران والبرازيل وتركيا أن ثلاثتها دول إقليمية رئيسية طامحة إلى لعب أدوار تتلاءم مع طموحاتها الكبرى. هكذا تتحدث البرازيل عن إعادة هيكلة النظام الدولى فى اتجاه أكثر عدالة وتسعى حثيثا لانتزاع مقعد دائم فى مجلس الأمن. وترفع تركيا شعار العثمانية الجديدة مع تعديل ترتيب أولويات سياستها الخارجية فى ظل حكم حزب العدالة والتنمية. وتطرح إيران بديلا لشغل فراغ القوة فى منطقة الشرق الأوسط ووراثة التركة الأمريكية فى العراق وزعامة الشيعة فى العالم. كما يجمع بين ثلاثتها أن كلا منها صاحب قضية يحاول تسليط الضوء عليها عن طريق دبلوماسية شديدة النشاط متسعة المساحة متعددة الأطراف،

فقضية إيران هى العقوبات الاقتصادية التى تزداد عليها إحكاما، وقضية تركيا هى الاتحاد الأوروبى الذى مازال يدير ظهره لها لأسباب ثقافية أضافت لها أزمة اليورو الأخيرة أسبابا اقتصادية وجيهة، وقضية البرازيل هى الجغرافيا التى حكمت عليها أن تكون جزءا من الفناء الخلفى للولايات المتحدة وإن باتت تحوز من المقومات ما يسمح لها بالتمدد خارجه. ومن هنا فلعل أهمية نجاح ريودى جانيرو فى اقتناص فرصة استضافة دورة الألعاب الأوليمبية فى عام 2016 من بين براثن الولايات المتحدة، لعلها تكمن فى الرمز خاصة أن فوز البرازيل بالأولمبياد تم على مرأى أوباما ومسمعه عندما حضر تصويت اللجنة الأوليمبية الدولية.

فى البدء نُسجت علاقات تنسيق بين تركيا وإيران وترجمتها العديد من اتفاقيات التعاون الاقتصادى والتبادل التجارى بين البلدين، والتأكيد على أن كليهما يمثلان الأساس لاستقرار الشرق الأوسط، واتساق مواقفهما السياسية وبشكل خاص إبان العدوان على غزة وما تلاه من تداعيات، فضلا عن اشتراكهما معا فى آلية جوار العراق. ولذلك فعندما اقترح محمد البرادعى قيام إيران بتسليم 1200 كجم من اليورانيوم منخفض التخصيب بنسبة 3.5% إلى روسيا لرفع نسبة التخصيب إلى 20% ثم من بعدها إلى فرنسا لمعالجة اليورانيوم وإعادته إلى إيران لتشغيل مفاعلها الطبى.

عندما طرح البرادعى هذه المبادرة واحتجت إيران على نقطتين، الأولى هى كمية اليورانيوم، والثانية هى رحلة اليورانيوم لتعقيدات مختلفة تشوب علاقتها بكل من روسيا وفرنسا، تقدمت تركيا للوساطة وعرضت استضافة التخصيب على أرضها فوافقت إيران بداءة ثم قررت ألا يتم تبادل التخصيب إلا على أرضها بأمر المرشد. وكانت هذه النقطة تحديدا موضع شد وجذب طويل وتَّرَ علاقة تركيا بإيران حتى تردد أن رئيس الوزراء التركى رجب طيب أردوغان قرر إلغاء زيارته إلى طهران فى هذا الشهر قبل أن يتم استدعاؤه على عجل كى يكون شريكا ثالثا فى توقيع اتفاق تبادل اليورانيوم.

أما علاقة إيران بالبرازيل فقد اكتسبت دفعة قوية إبان الجولة التى قام بها أحمدى نجاد فى بعض دول أمريكا اللاتينية ومنها البرازيل قبل عام بالضبط من الآن. وقد مثَّلَ دفاع البرازيل عن حق إيران فى تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، ووقوفها فى مواجهة ضغط الجالية اليهودية على الرئيس لولا دا سيلفا لعدم استقبال نجاد وعدم تطوير علاقته بإيران بشكل عام، مثل ذلك أساسا لتعاون اقتصادى ثنائى متعدد الأبعاد، لا أدل عليه من توقيع الدولتين 11 مذكرة بهذا الشأن قبل عدة أيام.

وعندما عرض دا سيلفا وساطته لحلحلة أزمة الملف النووى الإيرانى، تجاوبت معه الجمهورية الإسلامية لتثبت أن الحل لا يأتى من مجموعة الـ5+1 ولا حتى من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكنه يأتى محصلة تلاقى إرادات ثلاث دول إقليمية كبرى. وحبذا لو كانت إيران قد اختارت فنزويلا بديلا للبرازيل إذن لأصبحت الولايات المتحدة فى موقف لا تحسد عليه تماما.

2 ـ أحد التساؤلات التى تكررت فور الإعلان عن الاتفاق، سؤال يخص التوقيت ومؤداه: لماذا قبلت إيران فى مايو 2010 مبادلة اليورانيوم خارج أراضيها فيما رفضته من قبل فى مبادرة البرادعى؟ ولماذا قبلت استضافة تركيا للتبادل فيما كانت تعارضها من قبل؟

يدفع بعض المحللين الإيرانيين بأن العرض الأول لتبادل اليورانيوم لم يتضمن ضمانات كافية لعدم الاستيلاء على حصيلة الجمهورية الإسلامية من اليورانيوم بدون مقابل، بينما حوى الاتفاق الثلاثى تلك الضمانات. ومع اتفاقى بشأن أفضلية الاتفاق المبرم بين ثلاثى إيران وتركيا والبرازيل كما سوف أوضحه حالا، إلا أن القضية لو كانت قضية ضمانات لاستطاعت إيران أن تناقشها وتضع الضوابط التى تحمى اليورانيوم المخصب خارج أراضيها، لكنها قطعت الطريق مبكرا على مبدأ التبادل فى الخارج ومضت تصعد وصولا إلى قرار نجاد فى فبراير الماضى برفع نسبة التخصيب إلى 20%.

أما السبب الحقيقى لقبول إيران اليوم ما رفضته بالأمس القريب فهو أن الجمهورية الإسلامية استطاعت خلال الشهور الستة الفاصلة بين مبادرة البرادعى والاتفاق الثلاثى أن تزيد حصيلتها من اليورانيوم المخصب على نحو لم يعد الـ1200 كجم المطلوب مبادلتها تمثل كل حصيلتها أو معظمها من اليورانيوم. استطاعت إيران خلال هذه الشهور الستة أن تكون رصيدا إضافيا يؤمنها على احتياجاتها من اليورانيوم المخصب هذا بفرض أن الضمانات الكثيرة التى حواها الاتفاق الثلاثى لم تنجح فى ضمان تنفيذه والالتزام ببنوده.

ثم هناك بعد رمزى للتوقيت، فالاتفاق تم التوصل إليه على خلفية انعقاد قمة مجموعة الـ15 النامية على الأراضى الإيرانية، وتزامن المناسبتين يؤكد تحرير الاتفاق من أيدى مجموعة دول الاستكبار ويبرز الأهمية النسبية للدول الموقعة فى إطار كتلة الدول النامية.

هل كان لقرب توقيع الحزمة الرابعة من العقوبات الاقتصادية على إيران أثر فى التوصل إلى الاتفاق؟ بالتأكيد ما من دولة تكابر بالقول إنها غير معنية بالعقوبات الاقتصادية، لكن فى الوقت نفسه فإن التلويح بتلك العقوبات كان قائما بالشدة نفسها فى عام 2009 عندما أمهل المجتمع الدولى إيران حتى آخر ديسمبر لتقبل عرض التبادل أو تُعاقَب فلم تتراجع إيران بل قلبت الطاولة على رءوس أصحابها وأمهلتهم هى حتى نهاية يناير للرد على مبادرة مضادة منها وإلا مضت قدما فى التخصيب. بعبارة أخرى نعم إيران لا تريد العقوبات لكن تزايد رصيدها من اليورانيوم المخصب كان هو الفيصل وراء إبرام الاتفاق.

3 ـ تكشف قراءة الاتفاق الذى تم التوصل إليه ببنوده العشرة، والمنشور على موقع وكالة أنباء مهر الإيرانية، عن أن إيران حققت جملة من المكاسب الرئيسية التى تعبر عنها بشكل خاص كل من المواد الأولى والرابعة والسابعة. تنص المادة الأولى صراحة على احترام حقوق جميع الأعضاء ومنهم إيران فى «الأبحاث والتنمية وكذلك امتلاك دورة الوقود»، أى أن إيران تثبت فى هذه المادة وفى صدر الاتفاق حقها فى مواصلة التخصيب. وصرح أحد المسئولين الإيرانيين فور إعلان الاتفاق بأن بلاده ستستمر فى التخصيب بنسبة 20%. وكأن إيران تريد أن تقول لأعضاء 5+1 هاكم الكمية التى طلبتم مبادلتها أما ما زاد عنها فلا شأن لكم به، وهذا هو أبرز إنجاز لإيران فى هذا الاتفاق.

وتشير المادة الرابعة بشكل غير مباشر لرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران إذ تنص على أنه فى مقابل تبادل الوقود يتم تفادى «أى مواجهة ومن بينها البيانات والتصرفات المتسمة بالتهديد التى تلحق الضرر بحقوق إيران». ولهذا النص وظيفتان، إحداهما خارجية والأخرى داخلية. خارجيا يفترض أن تجد الدول الداعية للمضى قدما فى معاقبة إيران نفسها فى موقف حرج أو على الأقل لا تضمن الإجماع الذى كان قد تحقق حول الأداة العقابية. وداخليا يفترض أن تعزز هذه المادة شرعية النظام القائم الذى اتهم طويلا بأن تعنته هو سبب المعاناة الاقتصادية للمواطنين.

وتتحدث المادة التاسعة عن بدء حوار بين إيران ومجموعة الـ5+1 وباشتراك تركيا والبرازيل «حول الهواجس المشتركة»، وهذا تعبير فضفاض أحد تفسيراته هو التفاهم حول الدور الإقليمى لإيران فى العراق ولبنان وفلسطين والخليج العربى. فليست كل الهواجس مربوطة بالملف النووى لإيران، فمنها ما هو متعلق بنفوذها فى العراق ودعمها المقاومة فى لبنان وفلسطين ودفاعها عن الشيعة حيثما كانوا. وهذا أيضا نص بالغ الأهمية.

أما ما خلا ذلك من نصوص فإنها تنظم عملية نقل الـ1200كجم منخفض التخصيب إلى تركيا لحفظه كأمانة حتى يعاد مجددا لإيران على شكل 120 كجم عالى التخصيب وذلك فى غضون سنة، أما إن لم يتم تنفيذ الاتفاق فإن تركيا تعيد الوقود لإيران «حسب طلبها» لأنه «أمانة» واجبة الرد بنص الاتفاق.

4ـ فيما يخص المواقف الدولية تزعمت الولايات المتحدة الحملة لفرض عقوبات جديدة على إيران، وصرحت وزيرة خارجيتها بأن هناك ما يشبه الاتفاق على ذلك بين الدول الخمس دائمة العضوية فى مجلس الأمن. ولو صح ما قالته هيلارى كلينتون وصدر فعلا قرار معاقبة إيران لكان أغبى قرار يمكن تصوره، أولا لأنه سيحل إيران من أى التزام يخص ملفها النووى، وثانيا لأنه سيؤدى إلى تدهور شديد فى علاقة إيران بالصين وروسيا وهو ما أظن أن هاتين الدولتين لن تغامرا به، وإن كان ــ أحيانا ــ بعض الظن إثما. أين العرب من كل ذلك؟ لم نسمع حتى صباح أمس الأربعاء تعليقا واحدا من عاصمة عربية وكأن ما يجرى هو فى بلاد الواقواق.

كان مشهدا آخاذا ذلك الذى أمسك فيه محمود أحمدى نجاد بيد لولا دا سيلفا من جانب وبيد رجب طيب أردوغان من جانب آخر، ورفع ثلاثتهم أياديهم إلى أعلى اعتزازا بالنجاح الذى حققوه باتفاقهم، والتقطت لهم عشرات الصور والتهبت أكف الحضور بالتصفيق، لكنه كان ذلك التصفيق الذى يستقبل به المشاهدون دخول أبطال المسرحية وليس هو التصفيق الذى يسبق إسدال الستار؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved